إسرائيل تستبدل بهجومها العسكري كارثة صحية في غزة

 

أجهزة الأمن قلقة من انهيار جهاز الصحة في القطاع لأن هذا يصعب على الجيش الإسرائيلي أن يشن هجوماً عسكرياً كبيراً، في حالة أن المستوى السياسي أمر بذلك. هكذا كتب هذا الأسبوع في خبر لينيف كوفوفيتش عن النقاش في هذا الموضوع الذي جرى في الكابنت. أي أنه من بين كل الاعتبارات الأخرى فعلى المستوى السياسي أن يأخذ في الحسبان الأداء المعطوب لجهاز الصحة الفلسطيني.
ثمة موضوعان يمكن فهمهما مباشرة من الخبر. أولاً، معظم المصابين في المواجهة المتوقعة سيكونون مدنيين (كما كان الأمر في الهجمات السابقة) بحيث لن يكون بالإمكان إنقاذهم في الوقت المناسب وعلاجهم كما يجب؛ ثانياً، المجتمع الدولي (القصد يبدو بالأجل الدول الغربية) سيجد صعوبة في إعطاء الدعم لعملية إسرائيلية أخرى بسبب عدم القدرة على إنقاذ المصابين المدنيين.
ما نفهمه من بين السطور هو أن الأجهزة الأمنية والمستوى السياسي يتنصلون من كل مسؤولية لهم عن الوضع في قطاع غزة وعن وضع الجهاز الصحي الفلسطيني تحديداً. ثمة مصدر من المستوى السياسي قال إن السلطة الفلسطينية معنية بانهيار جهاز الصحة في القطاع. أجل، لا يجب التقليل من خطورة التداعيات للمنافسة الفصائلية المدمرة عديمة المسؤولية بين حماس وفتح، ولكن التجاهل المطلق لمسؤولية إسرائيل عن الوضع والعلاقة بين التدهور الاقتصادي وسياسة الحصار وفصل القطاع التي تقوم بها إسرائيل منذ 1991، تعزز الشك بأنه رغم كل المعلومات الدقيقة والحديثة الموجودة لديهم فإن المستويات السياسية والأمنية لا تنوي تغيير المبدأ الأجلي في سياستها وهو التعامل مع القطاع على أنه كيان منفصل وسوق جذابة.
تدهور الخدمات الصحية في القطاع يرتبط أيضاً بوضع الأونروا في أعقاب وقف المساعدات الأمريكية لها. كان هذا لشديد السخرية حملة سياسية ضد الأونروا أدارها إسرائيليون كبار طوال سنوات، تحدثت باللغة التي تفهمها إدارة ترامب. ضربة اقتصادية أخرى متوقعة قريباً وستضر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بجهاز الصحة الفلسطيني: إسرائيل قررت خصم ما يعادل المخصصات التي تعطى لعائلات السجناء الفلسطينيين من الضرائب التي تجبيها في الموانئ وتعيدها لوزارة المالية الفلسطينية. هذه الضرائب هي نصيب الأسد من مداخيل السلطة الفلسطينية. إن خفضها سيمس بخدمات حيوية. محمود عباس برر التخفيضات التي أمر بها لرواتب ومخصصات سكان القطاع بالعجز في ميزانية السلطة. إن خصم مئات آلاف الشواقل الأخرى من مداخيل الضرائب سيكون سبباً للتقليص في الخدمات الصحية في القطاع.
نبأ كوفوفيتش يذكر بستة آلاف مصاب بالنار الإسرائيلية الذين ينتظرون إجراء عمليات مستعجلة. لقد سبق وكتب في نيسان 2018 في هآرتس أن جهات طبية فلسطينية ودولية مصدومة من شدة الإصابات للمتظاهرين غير المسلحين ومن عددهم الكبير. معلومات وتحذيرات عن خطورة الوضع كانت موجودة كل الوقت. والجميع كانوا يستطيعون معرفتها. «أطباء بلا حدود»، «منظمة الصحة العالمية»، «منظمة «مساعدة طبية للفلسطينيين»، «رابطة أطباء حقوق الانسان» التي مقرها في تل أبيب، وجمعية «غيشاه»، هذا فقط عدد من المنظمات التي تنشر تقارير مقلقة بشكل منتظم، والتي بالتأكيد تصل في الوقت المناسب إلى مكتب منسق أعمال الحكومة في المناطق ومكتب الشاباك.
قرار استخدام النار الحية وليس وسائل أخرى غير قاتلة من أجل تفريق المتظاهرين غير المسلحين هو قرار يخص الجيش. التعليمات للجنود بإطلاق النار من مسافة قصيرة على الأرجل، وبهذا التسبب بجراح خطيرة جداً حتى إعاقة، هي لقادتهم. الطواقم الطبية لدينا انتبهت أن الجراح تشمل تدميراً بدرجة كبيرة يلحق بالعظام والأنسجة اللينة، وجروح مخرج الرصاصة يمكن أن تصل إلى حجم قبضة اليد. كتب في منتصف نيسان 2018 في تقرير «أطباء بلا حدود» (الذين حصلوا على جائزة دان دافيد هذه السنة). «على هؤلاء الجرحى اجتياز عمليات جراحية معقدة جداً، ومعظمهم سيعانون من الإعاقة طوال الحياة»، قدرت المنظمة. ولكن الجنود واصلوا إصابة المتظاهرين غير المسلحين حتى بعد نشر هذه الأمور وبعد النشر بصورة صريحة أن المستشفيات في غزة لا يمكنها معالجة كما يجب كل المصابين، الذين يأتي إسعافهم على حساب مرضى عاديين، الذين يتم إخراجهم من المستشفى إلى بيوتهم بشكل مبكر جداً، وفي ظل غياب الأدوية المطلوبة تحدث تلوثات للجروح.
كان يمكن إنقاذ أرجل عدد من المصابين وحتى حياة مصابين آخرين لو كانوا تمكنوا من الخروج لتلقي العلاج خارج القطاع ومن الأماكن التي فيها نقص للأدوية ومواد التخدير والتطهير والكهرباء. لكن أمراً سياسياً بعدم تمكين الخروج ونظام تصاريح معقد جداً خربت هذا الطريق أيضاً، التي كان يمكن أن تسهل على غرف العمليات في القطاع. أحياناً التباطؤ والتأخير في إعطاء التصاريح يؤدي إلى تدهور الوضع الصحي للمرضى ويزيد العبء على جهاز الصحة في القطاع.
جهاز الأمن (إدارة التنسيق والارتباط التي تخضع لمنسق الأعمال في المناطق) والشاباك هم الذين خلقوا جهازاً معقداً لفحص طلبات التصاريح، منها التصاريح للعلاج. حسب معطيات منظمة الصحة العالمية للعام 2018 تم تقديم 25897 طلباً للخروج من أجل العلاج في الضفة الغربية أو في إسرائيل من معبر إيرز. كل هذه الطلبات حصلت على التزامات مالية من السلطة الفلسطينية لتغطية تكلفة العلاج. منسق أعمال الحكومة في المناطق والشاباك صادقوا على 61 في المئة من هذه الطلبات، 31 في المئة لم يتم الرد عليها، أو تم الرد بعد وقت طويل، والمرضى لم يتمكنوا من الوصول في الموعد المحدد لهم، و8 في المئة من الطلبات رفضت.
بسبب الضائقة الاقتصادية والنفسية المتزايدة في غزة هناك ارتفاع في عدد السكان الذين نجحوا في الحصول على تصاريح خروج إلى الضفة لبضعة أيام وبقوا هناك. على الأغلب هم يجدون مصدر رزق ويساعدون عائلاتهم في القطاع. أجهزة الأمن والمستوى السياسي يصفونهم بـ «مقيمين غير قانونيين» رغم أن اتفاق اوسلو قرر أن القطاع والضفة هما وحدة جغرافية واحدة. في السنتين الأخيرتين يشترط جهاز الأمن الخروج لتلقي العلاج الطبي على أقاربهم في الضفة بعودتهم إلى القطاع. أي أن جهاز الأمن القلق من انهيار جهاز الصحة الفلسطيني هو الذي يصعب عليه من خلال أن يفرض عليه علاج المرضى بوسائل ليست موجودة لديه. ويفرض على الأطباء رؤية المرضى الذين يتدهور وضعهم وهم لا يستطيعون تقديم المساعدة لهم.
«منذ زمن طويل نحن نحذر من أن الخدمات الطبية في القطاع تنهار، ومن الواضح للجميع أن غزة غير قادرة على الصمود في حرب أخرى»، قالوا في «أطباء من أجل حقوق الإنسان». حتى الآن عندما نتوجه لطلب السماح للمرضى بالخروج تتم الإجابة في حالات كثيرة بأن الطلب مرفوض لأن العلاج يوجد في مستشفيات غزة، وأخيراً الآن يعترف جهاز الأمن بالواقع.
في نهاية الأسبوع نفذ 6 أطباء متطوعون من هذه الجمعية 30 عملية معقدة في مستشفيين في القطاع في ظروف النقص. الأطباء فلسطينيون من مواطني إسرائيل ولهم وظائف في مستشفى رمبام وهشارون والكرمل وشعاري تصيدق.
ثلاثة متطوعين آخرين من الجمعية ـ طبيبة عائلة وطبيب أطفال وطبيب نفسي ـ عالجوا مئات المرضى الآخرين. منذ 11 سنة ومتطوعو الجمعية يدخلون مرة كل شهر إلى القطاع لعدة أيام، يجرون على مدار الساعة علاجاً وعمليات لمئات المرضى. في كل زيارة يحضرون معهم معدات طبية مستعملة، وأدوات مطلوبة للعمليات، والأنسولين لمرضى السكري، ومميع الدم وأدوية أخرى ثمينة لمرضى كثيرين. قيمة الأدوات والعلاج التي أحضرتها البعثة هذه المرة هو 90 ألف دولار، معظمها تبرعت به منظمات المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. «أكثر مما يتحدث به المرضى عن وضعهم الجسدي، هو يتحدثون عن الصعوبة النفسية والاقتصادية للعيش كأسرى في القطاع المحاصر»، قال مدير البعثة صلاح الحاج يحيى للصحيفة. «الأطباء في غزة جيدون ولكن ليس لديهم تصاريح للخروج من أجل استكمال تأهيلهم خارج القطاع ولا توجد لهم المعدات المطلوبة والكهرباء يتم قطعها ويحصلون على أجر جزئي فقط. هناك أطباء لا يوجد لهم المال من أجل الوصول إلى أماكن العمل، ويوجد عليهم عبء غير موجود في أي مستشفى آخر في العالم. لذلك هم بحاجة إلى المساعدة، لكن هذه المساعدة الكبيرة هي قطرة في مجتمع يعاني من الفقر».
ليس بالإمكان فصل الصعوبات المالية لجهاز الصحة في القطاع عن معطيات الفقر، وليس بالإمكان فصل معطيات الفقر عن العامل الأجلي الدائم الذي يحدثه: سحب الحق في حرية الحركة من السكان. هكذا تم تدهور النشاط الإنتاجي إلى الحد الأدنى في القطاع. هذه السياسة بدأت قبل صعود حماس للسلطة، واشتدت عند الانفصال في 2005 عندما أوقف أيضاً عمل آلاف العمال من القطاع في إسرائيل. إن إشفاء جهاز الصحة في القطاع لن يحدث بدون إعادة حرية الحركة للسكان وإعادة قدرتهم على كسب رزقهم بكرامة.

عميره هاس
هآرتس 8/2/2019

قد يعجبك ايضا