سيسي مصري وانفراج غزي وجه واحد لـ «عملة الاستقرار»

 

في هذه الأيام قبل ثماني سنوات اهتزت الأرض في مصر. أغلق الرئيس كلي القدرة حسني مبارك على نفسه إحدى غرف قصره مع وزير دفاعه حسين طنطاوي الذي أوصاه بالرحيل. وحذر الطنطاوي بأنه سيضطر إلى إطلاق النار على المتظاهرين لإسقاط الضحايا بينهم، وعندما سيسأل التاريخ من أصدر الأمر، سيشير الجميع إليك. لقد كان الشارع مصمماً على إسقاط الرئيس، وكلاهما فهم حجم الأزمة. إذا فتحا النار سيكون العار عظيماً، وإذا لم يفتحا فسيتصاعد لهيب الثورة ليحرق القصر. وفي الشوارع تدحرجت الجثث. وعد الطنطاوي رئيسه بالحصانة، ولكن في هذه الأمور من يدري ما يخفيه الغد. فالجمهور ومن يقفون خلفه قد يطيحون به هو أيضاً.
يعرف التاريخ حكاماً في مثل هذه اللحظات تمسكوا بكراسيهم. أما مبارك فقرر بشجاعة الاستجابة لمشورة رفيقه. كان هو ابن 83، بعد 29 سنة من الحكم. وبقدر كبير اعتزل نحو المجهول.
واصلت مصر العصف. في بعض منه كان هذا هو الشارع بتعبير أصيل للغضب الذي تفجر، ولكن خلف الكواليس بدأ الجهاز الميداني للاخوان المسلمين يعمل. فقد اشتموا الفرصة للتسلق إلى موقع الحكم. اضطر الطنطاوي، الحاكم المؤقت إلى التنازل لهذين الطرفين. في 25 كانون الثاني، يوم اندلاع الاضطرابات، تقرر عيد وطني. تحدث الجميع عن عصر جديد، وقيم الثورة على شفاه الجميع. الديمقراطية.. والشفافية.. والمواطن هو الملك وليس حكامه. أما الشباب الذين فقدوا حياتهم في المظاهرات فأصبحوا شهداء. «بعد قليل سنبعث برموز الفساد إلى السجن، وستكون هنا مصر جديدة. سمعت هذا على لسان تاجر شاب في سوق القاهرة.
قبل أسبوعين تم أحياء 25 كانون الثاني مرة أخرى، ولكن بخلاف السنوات الماضية مر هذا دون ذكر. فلم يجرَ أي احتفال، ولم يبث أي برنامج تلفزيوني ولم يلقَ أي خطاب. ليست هذه صدفة بالطبع. فقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة إن تلك الأحداث كانت خطأ، أعادت مصر سنوات إلى الوراء. وإذا ما سألتموه فإنه سيقول يجب إصلاح الخطأ بإثارة زخم اقتصادي من البناء، وتجنيد الاستثمارات، وقمع الإرهاب الذي يهرب السياح وكذا لإسكات الضجيج، مثل أولئك الذين يشتكون من غياب حرية التعبير. في مشروع الإصلاحات هذا لا مكان للحديث عن ثورة ديمقراطية. فعندما فتحت النافذة قبل ثماني سنوات رأينا من أول من تسلل إلى الداخل. طاعنو السكاكين في الظهر.
في الأشهر الأخيرة تترسخ فكرة جديدة. في 2022 يفترض بالسيسي أن يخلي كرسيه. والدستور المعدل يحدد الرئاسة في ولايتين لأربع سنوات كل منهما. وفي البرلمان تتشكل الآن مبادرة لجعل الولاية بأثر رجعي من ست سنوات. وهكذا يتم تمديد عهده حتى 2016. المبادرة ليست عقوبية وليست مفاجئة. ومصدرها في النوافذ العليا.
لا شيء يقف في وجه السيسي ورجاله في إرادتهم لتغيير الدستور. وبالفعل، فإن نصف النواب وقعوا منذ الآن. المشكلة هي الرسالة للجماهير. فما هو القانون وما هو الدستور إذا كانوا يشطبونه ويكتبونه وفقاً للمزاج السياسي. وما هي الثورة إذا كانت قيمها تتبدد. الكثيرون في مصر يشعرون بأن الشباب الذين ضحوا بأرواحهم لأجل إحداث التغيير، ذهبوا هدراً. لمن ينظر من الجانب يبدو هذا كحالة أخرى لحاكم يتمسك بكرسيه، ولكن الواقع في القاهرة أكثر تعقيداً. السيسي والضباط أحرار في إقامة من يريدون في القصر، وأن يختاروا مرشحهم، ويبنوه ويضموا انتصاره. ولكن لأجل ماذا كل هذه الهزات. في مصر اليوم لا صوت يعلو على صوت الاستقرار. وبالتالي لا شيء يقف في وجه إرادتهم لتغيير المادة في الدستور المتعلقة بولايته.
من المغري توجيه النقد للنظام. وبالتأكيد يوجد من ينتقد. قيادة الإخوان المسلمين في السجن، والرئيس محمد مرسي في السجن، ومواقع إخبارية أغلقت، وقادة رأي لا يحق لهم أن يقولوا ما يفكرون به. أما نحن، فننسى أحياناً بأن الرئيس المصري والعصبة التي تحيطه يعرفون مصاعبهم أكثر من كل أجنبي آخر، يعرفون ما بوسعهم أن يفعلوه وما يعجزون عن فعله. وبرأيهم فإن الشعب المصري ليس ناضجاً في هذه المرحلة لديمقراطية غربية بالأسلوب الذي روج له المتظاهرون في 2011. فمسيرة كهذه، في دولة متفرجة مثل مصر من شأنها أن تسقط كل المبنى. ربما بعد أن يعود الاستقرار ويأتي النضج. وربما لا.

فليذهبوا إلى غزة

إذا أجرى أحد ما بحثاً شاملاً عن الحياة في قطاع غزة في سنوات الإغلاق نأمل أن يهمل وألا يراجع ملفات محكمة العدل العليا. ثمة التماس رفع مؤخراً إلى المحكمة العليا يكشف جانباً متعباً على نحو خاص من الاتصال بين السكان هناك والسلطات في إسرائيل.
ويتناول الالتماس سكان غزة الذين يطلبون الخروج إلى إسرائيل أو عبرها لأغراض مختلفة: علاجات في المستشفيات، زيارة أقرباء ينازعون الموت (في الضفة أو في دول عربية)، التعليم في الخارج والتجارة مع إسرائيل أو الضفة. ويتبين أن إسرائيل تلتزم بالرد على طلبهم للخروج في غضون فترة زمنية معينة، حسب نوع الطلب. فطلب المريض يجاب في غضون 23 يوماً. أما طالب حصل على قبول التعليم العالي في الخارج ويطلب الخروج من غزة فيجاب في غضون 70 يوماً. وطلب المشاركة في عرس لقريب يجاب في غضون 50 يوماً في أقصى الأحوال، أما زيارة قريب عائلة ينازع الحياة فـ 70 يومًا.
هذه الفترات الزمنية طويلة جداً وتتسبب بإزعاجات شديدة للطالبين. فها هي مثلاً حالات القريب الذي ينازع الحياة، ففي السبعين يوماً مات القريب. غير أن الملتمسين يروون بأن إسرائيل لا تفي حتى بمواعيد هذه الفترات الزمنية، وفي أحيان كثيرة ترد بعدها. وأحياناً لا يكون الرد ذا صلة، وهناك حالات لا ترد فيها على الإطلاق.
رفعت الالتماس ثلاث منظمات حقوق إنسان. «غيشا»و «أطباء لحقوق الإنسان» و «هموكيد» لحماية الفرد. بزعمها فإن الجداول الزمنية هذه غير معقولة منذ البداية. والضرر اللاحق بمقدمي الطلب غير متوازن وغير ضروري. ويصف الالتماس موقف السلطات في إسرائيل من هذه الطلباته بأنه تسيدي ومهين. وادعت بأن هذه ظاهرة وليست حالات شاذة، وطلبت من محكمة العدل العليا أن تأمر الدولة بتقصير مدة الإجراء وإدخال النجاعة في عملية الإجابة. أما قضاة محكمة العدل العليا، كعادتهم في مثل هذه الملفات، فقد ردوا الالتماس. وتعلقوا بموقف الدولة بأنه في السنة القادمة من المتوقع إعادة النظر في الإجراء. بعد ذلك ادعوا بأن الالتماس عمومي، بمعنى أنه عديم الأمثلة، والحالات الملموسة وإن كانت طرحت فيه أمثل المبررات التي طرحها القضاة مزوز وكروستوف وشتاين هي مبررات فنية، أتاحت لهم تجاوز الأجل والمبدأ: موقف دولة إسرائيل من المواطن البسيط في القطاع. من المواطن وليس من حكامه. فماذا ترى فيه ـ ضحية، موبئة وربما أيضاً عدواً؟ إذا لم يكن عدواً، مثلما قال ذات مرة رئيس الوزراء نتنياهو، لماذا لا يحسن إليه، وإذا كان عدواً فلماذا لا نعلن عن ذلك على رؤوس الأشهاد.
يصعب على الإسرائيلي العادي أن يستمع إلى مثل هذه الادعاءات. وحتى سيادة القضاة كان صعباً عليهم. وهي صعبة لأن فيها ما يشكك في الأخلاق الوطنية. وهي تظهر أن سيطرة إسرائيل على الغزي هي أيضاً على مشاعره وألمه النفسي والجسدي، وحقه في أن يتلقى العلاج والتعليم أو التعليم أو لحظة من الراحة.
عندما يكون لكل هذا مبرر أمني، فحسناً. ولكن أي حاجة أمنية تبرر التسويف أو التجاهل لطلب مريض سرطان من خانيونس للخروج لتلقي العلاج في القدس. أو طالب كل مستقبله أمامه، للخروج للتعليم في دبي، أو لشخص يوشك أخوه أن يودع العالم، ليقول له كلمات أخيرة. حاولوا أن تضعوا أنفسكم مكانهم. أناس خاصون يتوقعون من إسرائيل القوية أن تستجيب لضائقتهم الكبيرة. أما إسرائيل فتتلبث أو لا تجيب على الإطلاق.
لا يفعل أحد هذا بنية مبيتة، وأحياناً يعمل من يعنى بالأمر لأن يحسن لسكان القطاع حتى أكثر مما تتطلبه القواعد الجافة. وهذا معروف للكثيرين، ضباطاً وجنوداً ومستشارين قانونيين وسياسيين وصحافيين. وها هو معروف للمحكمة العليا أيضاً. المهم أننا احتفلنا هذا الأسبوع بيوم العائلة.

جاكي خوجي
معاريف 8/2019

قد يعجبك ايضا