آخر حارات نجيب محفوظ
حسن داوود
على غرار الكثير مما قرأنا من أعماله عاد نجيب محفوظ إلى استلهام الحارة لتكون المسرح الذي تجري عليه أحداثها. كان في حاجة إلى إطار مكاني ليجمع فيه شخصياته. وفي عدد من رواياته الواقعية، التي أعقبت رواياته التاريخية الثلاث العائدة إلى الزمن الفرعوني، آثر العناوين الدالة على الأمكنة: «بين القصرين»، «قصر الشوق» و«السكرية»، ثم هناك «زقاق المدق» و«خان الخليلي» و«القاهرة الجديدة». في مجموعته القصصية «همس الجنون التي صدرت في 1936، لم يخرج من إطار «روض الفرج»، وكذلك في «حكايات حارتنا» وأعمال أخرى عديدة.
في مجموعته القصصية هذه*، التي أنجزها في السنوات ما بين 1993 و1994 عاد إلى الحارة، لكن ليجمع شتات أحداث وقصص متفرقة هذه المرة. صحيح أن بعض الشخصيات قد تعاود الظهور في القصص، مثل شيخ الحارة الحاضر دائما، وإمام الزاوية، لكن الآخرين سيغيبون مع غياب كل من القصص.
وهؤلاء العابرون في القصص، الذين لا يحضرون إلا قليلا، معرّفون غالبا بمهنهم. وهي مهن شاء نجيب محفوظ ألا تكون عمومية، أو بين أول ما يخطر في رأس كاتب متعجّل. بعض المذكورين من هؤلاء، رجالا ونساء سكينة الغسّالة، والمعلم عثمان بائع المظلات، وأم فهيم الكوّاء، وأم بسيمة الداية، وأم سنبلة بائعة المخلّل (وهذه المهنة تعطى لامرأة ثانية في قصة لاحقة)، وأم راضي بياعة المفتّقة. وهناك آخرون بينهم زينهم صبي الفران، وعمّ حنفي السقّاء (وهذا أيضا توكل مهنته لشخصية أخرى، عن سهو من الكاتب ربما، شأن سابقتها)، والشيخ قاف قارئ الغيب، والمعلم حسن الآلاتي… إلخ.
تلك الحارة لا يسكنها بشر نجيب محفظ السابقون. لقد شاء أن يغيّرهم، أو على الأقل أن يأخذهم إلى حيث لا يتعرفون على أنفسهم. ربما يرجع ذلك إلى تغيّره هو نفسه في تلك المرحلة المتقدمة من عمره الكتابي.
لكن رغم أن مهن هؤلاء تبديهم غارقين في محليتهم، وحقيقيين تنزع عنهم مهنهم أي بعد رمزي، إلا أن حارتهم تبدو مكانا متخيّلا ومجلوبا من ذاكرة تخلط الأنس بالجان. كأن هذا العالم الحقيقي في ظاهره، قد جرى رفعه إلى فضاء غيبي أو أسطوري، ذلك يبدأ أولا من الحدود الضيقة للمكان الذي تحدده ثلاثة معالم هي «الحصن القديم» و«القبو» و«الميدان»، وهذه الأماكن الثلاثة مصطبغة بخرافيتها، إذ يصيب المسّ كل من يخطر له نزولها أو الإقامة فيها. وحين يرغب الكاتب في تعيين بيت ما لإحدى شخصياته يقول، مثلا، «البيت الأبيض يقع قبل القبو بدارين إلى يمين القادم من الميدان». وفي قصة أخرى يحدّد بيت أحدهم بقوله إنه على بعد شبر واحد من الحصن القديم. الأمكنة غير متعينة مكانيا إذن، ولا خريطة يمكن أن تُرسم في رأس قارئ القصص، على نحو ما كانت تتعين الأمكنة وما يحدّها، بالتفصيل، في «بين القصرين» أو سواها من رواياته الأولى.
هي ثماني عشرة قصة قلما حظي أي منها بنهاية سعيدة، تلك الحارة، بأكثر أهلها، معرّضة دائما لما ينذر بالسوء. ذاك أن أهلها يقيمون على ذلك الحد بين اللعنة الآتية من الغيب، وظنهم أن ما يجري محكوم بقوانين طبيعية يفهمونها. في أحيان، أو في قصص، تنتصر هذه على تلك فيبدو أن توقع ما سيحصل مستحيل، وفي أحيان أخرى نجد من لا يصدّق أن ما يحصل شيطاني وأبليسي. وفي مرات يختلط هذان كما حصل عند هبوب تلك العاصفة المدمرة، التي زاد من الخراب الذي أحدثته انتهازُ اللصوص الذين أتوا لنهب ما تبقى، حتى قيل «إنهم هم الذين أثاروها واستدعوها من مكانها في السماء».
تلك الحارة «الملتفعة بالوقار ووصايا الأبرار» تتلاعب بأهلها. إنهم ضحاياها وأشرارها في وقت واحد معا، وهي لا تعدهم بالسعادة وهناءة العيش. كما أنها لا تساوي بينهم، ففي أحيان يجعل أهلها واحدا منهم وليّا مؤمنين بكراماته وفي أحيان أخرى يلبسون من يمكن أن يكون وليا ثوب المجانين. ودائما هم قساة، سواء منهم المعتدي أو من يردّ الاعتداء عن نفسه، وهم لا يثيرون مشاعر التعاطف، كأن المكون البشري قليل فيهم.
تلك الحارة لا يسكنها بشر نجيب محفظ السابقون. لقد شاء أن يغيّرهم، أو على الأقل أن يأخذهم إلى حيث لا يتعرفون على أنفسهم. ربما يرجع ذلك إلى تغيّره هو نفسه في تلك المرحلة المتقدمة من عمره الكتابي. في إحدى القصص نقرأ كيف أن الناس، وهم في غمرة انشغالهم، يكفون فجأة عما يشغلهم ويشرعون في البكاء. حدث ذلك لبائع الفطائر، ثم تبعته في ذلك بائعة المخلل، ثم تبع الاثنين خفير، ثم مفتش أرسلته الحكومة. تبدو قصة «نصيبك في الحياة» هذه نقلة متأخرة في وعي نجيب محفوظ الروائي والقصصي، هو الذين أظهر على الدوام قابلية للتغير.
*مجموعة «همس النجوم» تضم 18 قصة لنجيب محفوظ تنشر لأول مرة في كتاب، ولا تحتويها مجموعته الكاملة صدرت عن دار الساقي في بيروت بتقديم لمحمد شعير. الصفحات الأخيرة من الكتاب خصصت لعرض أوراق القصص مكتوبة بخطّ محفوظ. تاريخ صدور المجموعة هو 2019.
٭ روائي لبناني