الله لا يقوله!

د. موضي عبدالعزيز الحمود

 

محزن أن نشهد أمثلة حية وقريبة من عالمنا وزمننا هذا لدولة غنية، بل كانت من أغنى دول العالم وحتى الثمانينات من القرن الماضي.. شؤونها مزدهرة وشعبها مرفه، دخوله مرتفعة، تعليمه وصحته وكهرباؤه مجانية… ولكن، وآه من لكن… افتقرت تلك الدولة وتراجعت خلال حقبة زمنية قصيرة في عمر الدول… تلك هي دولة «ناورو الديموقراطية المستقلة Nauru»، التي استنزفت حكوماتها موردها الطبيعي الوحيد ــ الفوسفات ــ الذي تشكل عبر ألف عام، واستنزفه الشَّرَه والفساد وسوء الإدارة الحكومية لهذا المورد الناضب خلال مئة عام فقط… لتتحول هذه الدولة إلى ملاذٍ آمن للعصابات واللاجئين وفناء خلفي لغسل أموال السوء.
أرعبني الفيديو القصير المتداول حول ناورو، كما ارتعبت أكثر حين توسعت في القراءة حول تطور أحوالها في موقع «ويكيبيديا»، وخاصة اعتمادها على موردها الأحادي الناضب، الذي دفع معلق الفيديو بتشبيهها «بكويت الباسيفيك» ــ الله لا يقوله ــ ولكنه ذلك التشابه في الظروف التي دفعت كل من رأى تشابه أحوالها باستقراء النتائج.. زادت حدة هذا الشعور مع قراءتي في نفس اليوم لخبر نشرته القبس في عددها الأربعاء 27 فبراير، أسفل صفحتها الأولى، وربما لم يجذب انتباه الكثيرين رغم خطورته، حيث تضمن تصريحاً لمصدر مالي واستثماري للجريدة عن إمعان الحكومة الكويتية في تسييل استثمارات الاحتياطي العام والسحب منه لمقابلة التزايد في الإنفاق الحكومي الاستهلاكي النّهِم… وللوفاء بمتطلبات الزيادات السنوية في الكوادر الخاصة المتضخمة (تلك البدعة المكلفة)… وأجور العاملين في الدولة ومتطلبات الدعم المباشر وغير المباشر… وتزداد الخطورة مع انخفاض أسعار النفط، حيث يصعب تعويض أو بناء هذا الاحتياطي من جديد.
مأزق واضح وإخلال بمسؤولية جسيمة ستحصد نتائجها سلباً أجيالنا المستقبلية، إن لم تواجه الحكومة (بعد أن تشرب حليب السباع)، كل وجوه هذا الانفاق والهدر والإسراف، وأن تحارب الفساد، الذي استشرى في كل مرافق الدولة، حتى وصل إلى هويتنا الوطنية، التي لم تسلم من العبث، وأن تتصدى بصلابة أمام كل المطالب الشعبوية، التي تزيد من رصيد النواب وتتعدى جُرماً على رصيد الأبناء والأحفاد.
حقاً لم يعد هذا الأمر خبراً مقلقاً فقط، بل يكاد أن يكون حقيقةً تلتقي مع ما تنبأ به بعض شباب الكويت في لقائهم مع سفيرة أميركا السابقة في 15 فبراير عام 2010، حيث عبروا عن خوفهم من أن تبدد مالية الكويت، وتضعف قدراتها، وتزداد مديونيتها قبل وصولنا عام 2020 مع تزايد قوى جيرانها الاقتصادية… لسنا متشائمين، ولكن اللهم خائفين ومحذرين.. حتى لا نتحول إلى «ناورو الخليج»… حفظ الله الكويت من كل مكروه.

 

قد يعجبك ايضا