هل سيحسم الجدل حول تاريخ «باب الرحمة»… في الآخِرة؟
في نيسان 1969 وبعد ليلة ماطرة وصل الباحث الأمريكي جيمس فلمينغ من أجل التحقيق في البوابة المغلقة الموجودة في سور البلدة القديمة في القدس، الوحيدة التي تتجه مباشرة إلى الحرم. وقد سار بمحاذاة البوابة من الجانب الخارجي المتوجه إلى المقبرة الإسلامية. فجأة انشقت الأرض تحت أقدامه وسقط في بئر كبيرة. «كنت مشوشاً، ولكنني لم أصب بأذى»، كتب في مقال في مجلة «بار». «نهضت وحاولت تركيز نظري على الضوء الضبابي الذي انبثق من الفتحة التي تقع فوق رأسي. فجأة فهمت أنني أقف داخل كومة من العظام لـ 30 أو 40 شخصاً التي على ما يبدو ألقيت معاً في قبر جماعي. جزء من العظام ما يزال مرتبطاً بغضاريف، الأمر الذي يشير إلى أنها دفنت في المئة سنة الأخيرة.
فلمينغ قدر أن العظام كانت مرتبطة بإحدى موجات العنف التي اجتاحت الشرق الأوسط في المئة سنة التي سبقت زيارته: الحرب العالمية الأولى، التمرد العربي أو حرب الاستقلال. في اليوم التالي عندما عاد إلى المكان كانت البئر مغلقة ثانية. ولكن قبل خروجه من البئر نظر مرة أخرى حوله ولاحظ قوساً قديماً، الذي حسب تقديره يرتبط بالبوابة السابقة التي كانت في المكان قبل بناء باب الرحمة، كما نعرفه اليوم. لغز الهياكل العظمية لم يحل حتى الآن، والقوس سيتحول إلى جزء من النقاش الواسع بين رجال آثار، باحثي الفنون ومؤرخين في أحد المباني التاريخية الغامضة جداً في البلدة القديمة ـ باب الرحمة.
باب الرحمة وبيت البوابة الملاصق له ـ المعروف مؤخراً باسمه العربي باب الرحمة ـ صعد إلى العناوين في أعقاب مواجهة بين الأوقاف وشرطة إسرائيل على بيت البوابة. الأوقاف فتحت مبنى باب الرحمة بخطوة أحادية الجانب قبل شهر تقريباً، ومنذ ذلك الحين يتم استخدامه للصلاة. الشرطة من ناحيتها اعتقلت حراس الأوقاف وأبعدت عشرات الأشخاص عن الحرم وأصدرت أمر إغلاق للموقع. أمناء جبل الهيكل ومنظمات يمينية تطلب من الحكومة إغلاق المبنى. المصلون المسلمون يرفضون أي اقتراح للتسوية، وحكومة الأردن وحكومة إسرائيل تحاولان إيجاد حل متفق عليه للأزمة.
هذه المواجهة ليست المواجهة الأولى على باب الرحمة. الباحثون لا ينجحون في التوصل إلى اتفاق بشأن أي مسألة من المسائل الهامة لتاريخ هذا المبنى: من قام ببنائه ومتى ولماذا هو مغلق ولماذا استخدم طوال هذه السنين؟ فعلياً ضبابية البوابة ترتبط أيضاً بالدور الذي أعد لها في يوم الآخرة حسب الديانات الثلاث التوحيدية. ولكن بشكل خاص لليهودية والإسلام.
المقاربة المقبولة على معظم الباحثين تربط بين البوابة وباقي المباني السابقة في الحرم، التي تنسبها إلى نشاطات البناء للحكام الأمويين، الحكام المسلمين الهامين الذين بنوا القدس والمساجد في الحرم في نهاية القرن السابع. آخرون قالوا إن من بناها هو القيصر البيزنطي هرقل في بداية القرن نفسه. الادعاءات بشأن نسبها للفترة الإسلامية ترتكز على أنه حسب كل الدلائل، الحكام البيزنطيون اهتموا جداً بالقدس، لكن ليس بالحرم. إبقاء الحرم على أنقاضه كان جزءاً هاماً في العقيدة المسيحية للبيزنطيين لأن هذا يعتبر دلالة على انتصار المسيحية على اليهودية.
«الخراب دلالة على الهزيمة وكانت لهم مصلحة في إبقاء الحرم مهجوراً»، قالت البروفيسورة رينا تلغان من الجامعة العبرية، الباحثة في تاريخ الفن في الشرق الأوسط. حسب أقوالها «هناك فترتان كبيرتان في الحرم، الهيروديتية والأموية. الأمويون أحياناً ضللوا لأنهم استخدموا لعناصر هندسة معمارية بيزنطية استخداماً ثانوياً. ولكن هنا لا نرى أي دليل على هذا الاستخدام الثانوي. العناوين ليست بيزنطية بل أموية قديمة تناسب القرن السابع». هذا الموقف تؤيده أيضاً شولاميت غارا التي كتبت رسالة الدكتوراة عن البوابة. عالم الآثار مئير بن دوف ومعظم الباحثين في الحرم يؤيدون ذلك أيضاً. حقيقة أن البيزنطيين لم يبنوا أي شيء في الحرم وتشابه البوابة مع المباني الأخرى في الحرم، تعزز مقاربة المعسكر الأموي في النقاش.
ولكن عالم الآثار البروفيسور دان باهت، من أهم الباحثين في موضوع القدس، اقترح تفسيراً آخر يعطي أيضاً علاقة تاريخية محددة بالبوابة. الدليل الأول هو موقع البوابة الذي يوجد في مكان غير منطقي بالنسبة لباقي المباني في الحرم، بعيداً عن المحور الذي يؤدي إلى قبة الصخرة. لذلك، يعتقد باهت أنه من غير المعقول أن من بنى الحرم كان سيبني البوابة بالضبط في هذا المكان. في المقابل، بنظرة إلى الغرب نرى أن البوابة توجد في محور واحد مع مبنى هام آخر في البلدة القديمة وهو كنيسة القيامة.
باب الرحمة، حسب باهت، بني على أيدي البيزنطيين الذين سبقوا الأمويين وقد فعلوا ذلك لهدف هام وهو أن يعيدوا إلى المدينة الصليب المقدس. في العام 614 احتل الفرس القدس والصليب المقدس ـ الذي عليه حسب المعتقدات صلب المسيح ـ سقط سبياً وأخذ إلى بلاد الفرس. بعد 15 سنة في 629 قاد القيصر هرقل الجيش البيزنطي إلى انتصار على الفرس ووضع يده على الصليب. هيركوليس كما هو موثق في عدد كبير من الايقونات المسيحية، أعاد الصليب في مسيرة كبيرة إلى كنيسة القيامة في القدس.
ولكن باهت يريد التوضيح بأنه لم يفعل ذلك فوراً في نهاية المعارك: «في البداية أخذ الصليب في مسيرة كبيرة إلى القسطنطينية، في 14 أيلول 629 ـ حتى الآن هذا يوم تمجيد الصليب. في آذار 630 أحضر الصليب إلى القدس. هذا يعني أنه كان لديه أكثر من نصف سنة لبناء البوابة. ربما أنه لم يستكمل بناءها لكن من الواضح أنه بدأ في بنائها». حسب التراث كان لهيركوليس من المهم إدخال الصليب إلى القدس عبر بوابة شرقية، تشبه المسار الذي سار به المسيح عندما دخل إلى المدينة عشية موته. هذا أيضاً يفسر لماذا البوابة توجد في خط مباشر مع الكنيسة. «المقاسات بيزنطية، النقوش بيزنطية، السبب الوحيد لبنائها هو بيزنطي»، قال باهت، «في كل الفترات الإسلامية كانت مغلقة، ولكن هل هي إسلامية؟ كيف يمكن أن يكون ذلك؟».
النقاش حول تأريخ البوابة يطرح سؤالاً آخر: ما هو هذا القوس الذي شاهده بلمينغ في اليوم الذي سقط فيه في حفرة العظام؟ حسب عدد من الباحثين، الأمر يتعلق ببقايا بوابة قديمة، ربما حتى من عهد الهيكل الثاني. باهت يعتقد أن الأمر يتعلق بجزء من مبنى أساسات البوابة البيزنطية. سؤال آخر يحتاج إلى الإجابة وهو متى ولماذا أغلقت البوابة؟ إذا كانت حقاً بيزنطية، ربما هي أغلقها الأمويون كجزء من بناء مجمل الحرم في القرن السابع. تفسير آخر هو أنه خلال العهد الإسلامي تحول المكان ليكون مقدساً والمقبرة التي قربه حظيت بالشعبية، والطريق إلى البوابة ببساطة أغلقت بالقبور إلى درجة أنه لم يكن هناك مبرر لفتحها.
تفسير ثالث يتعلق بأن الحكام المسلمين أرادوا تعزيز المدينة التي تقع غرب الحرم، لذلك أغلقوا البوابة من أجل إجبار المؤمنين الذين جاؤوا للصلاة في المسجد الأقصى بأن يمروا عبر المدينة في الطريق إلى المسجد. تفسير رابع يطرحه باهت يرتبط بقرار الحاكم الملك المعظم عيسى، ابن شقيق صلاح الدين، هدم في 1227 تحصينات القدس، حيث خشي من عودة الصليبيين واحتلال المدينة وأراد منعهم من السيطرة عليها.
مهما كان الأمر، من الواضح أنه خلال معظم التاريخ بقيت البوابة مغلقة، الأمر الذي ساهم في دورها في أسطورة يوم الآخرة التي تقول بأنها ستفتح لاستقبال المسيح حسب اليهودية، أو استقبال المؤمنين المسلمين الذين سيسيرون على الصراط المستقيم من جبل الزيتون إلى الحرم، حيث ستكون جهنم تحته. إن اسم باب الرحمة التصق بهذا المكان بالعبرية والعربية في نهاية القرن العاشر. «ليس من الواضح من نسخ عن الآخر»، قال باهت. في النقاش في الأشهر الأخير حول البوابة طرح سؤال آخر وهو فيمَ استخدم مبنى البوابة الكبير طوال السنين. أمناء جبل الهيكل وحركات اليمين يدعون مؤخراً بتشدد أن المبنى لم يستخدم في أي يوم كمسجد. «في الـ 1400 سنة الأخيرة لم يكن أي مسجد، والمسلمون لم يقولوا في أي يوم بأن هذه منطقة مقدسة سوى في الشهر الأخير»، قال شخص من حركة رغفيم، يخين زيك، في فيلم قصير نشرته الحركة في هذا الأسبوع. رغفيم قدمت التماساً للمحكمة العليا طلبت فيه إجبار الدولة على إغلاق المبنى. وفي الالتماس تكرر الادعاء بأن المبنى لم يستخدم كمسجد في أي يوم. ولكن المصادر التاريخية تشير إلى واقع آخر. الباحث في الشؤون الإسلامية، البروفيسور عميكام العاد قال إنه كان للبوابة مكانة هامة في التراث الإسلامي السابق المرتبط بيوم الآخرة. جزء منها متأثر بالتراث اليهودي. كما توجد شهادات على وجود مدرسة إسلامية هامة جداً عملت في المكان في القرن الحادي عشر. بعد ذلك، في القرن الرابع عشر وصف عالم الجغرافيا الأب العمري الذي زار القدس مسجداً نشيطاً في المكان (بترجمة اوري طل): «طوله من الشرق إلى الغرب 30 ذراعاً وعرضه من الجنوب إلى الشمال 14.5 ذراع. ومحراب مساحته 3.25 ذراع ويصلي فيه إمام خاص بالمسجد. هذا المسجد يمتد على بوابتين تسميان باب الرحمة.
نير حسون
هآرتس 22/3/2019