هل سيتبع «داعش» استراتيجية جديدة لضمان وجوده؟

 

رئيس قسم المتحدث بلسان القوات الكردية في سوريا، حرص على التدقيق في صياغة إعلان الانتصار على داعش. «تصفية كاملة لما سمي بالخلافة وهزيمة إقليمية مئة في المئة لداعش» كتب في البيان الذي أنهى القتال على المعقل الأخير لداعش في كفر باروز على الحدود بين العراق وسوريا. هكذا يبدو أنه بعد خمس سنوات تقريباً من إعلان أبو بكر البغدادي عن إقامة «الدولة الإسلامية» وبعد أن أقسم الكثيرون على القتال الشديد من أجل المعقل الأخير، انتهى الفصل الجغرافي للحرب ضد التنظيم ولكن التهديد ما زال بعيداً عن الاختفاء.
نحو 50 ألف مقاتل نجح داعش في تجنيدهم لصفوفه. لقد احتل مناطق في العراق وسوريا بمساحة تشبه مساحة بريطانيا. هذه المناطق التي عاش فيها 8 ـ 12 مليون إنسان كانت وكأنها دولة واحدة. هذه هي المرة الأولى في التاريخ الحديث للشرق الأوسط فيه تنظيم إسلامي ينجح في إقامة منطقة جغرافية مستقلة بهدف محو خطوط الحدود الدولية كما حددت بعد الحرب العالمية الأولى، والبدء في تجسيد حلم الأمة الإسلامية الذي تقوده الخلافة.
في المرة السابقة التي نجح فيها التنظيم في تنفيذ عملية عسكرية وسياسية بهذا الحجم كانت طالبان نجحت خلال ست سنوات في احتلال أفغانستان وإقامة دولة بروح الإسلام المتطرف. ولكن خلافاً لداعش لم تكن لطالبان طموحات بمد سيطرته خلف حدود الدولة القومية أو تصدير ثورته إلى دول أخرى.
حلم الدولة الإسلامية غير جديد ولم يبدأ بإقامة داعش، الذي بدأ طريقه كجزء من القاعدة. هذه الأيديولوجيا لم تنته مع تحرير الأراضي السورية والعراقية من سيطرتها، ويمكن أن تجد لنفسها آفاق عمل ومبادرين سيطمحون إلى أن ينجحوا في المكان الذي فشل فيه داعش.
التهديد الفوري يكمن في تغيير استراتيجية داعش. بدلاً من التمركز الجغرافي، يتوقع أن يواصل عمله في أماكن مختلفة في العالم وأن يقيم لنفسه معاقل جديدة وأن يتبنى التكتيك الذي ميز القاعدة وتنظيمات إرهابية أخرى. فروعه العاملة في ليبيا والفلبين وسيناء والمغرب واليمن وأفغانستان، وخلاياه النشيطة في دول أوروبا ما زالت تحظى بالتمويل والتسليح.
وعندما سيتم إلقاء القبض على البغدادي (كما يبدو هرب إلى منطقة الأنبار في العراق)، فإن آخرين في التنظيم يمكنهم مواصلة العمل بشكل مستقل ويشغلوا أجهزة الاستخبارات في أرجاء العالم. مثلما أن تصفية أسامة بن لادن في 2011 لم تقض على قيادة تنظيمه التي واصلت إدارة حروب محلية في سوريا واليمن وشمال إفريقيا.
مع ذلك، الهزيمة الجغرافية لداعش لها أهمية كبيرة بسبب التأثيرات الاقتصادية لها على التنظيم. في الأساس تمويل داعش جاء من حقول النفط التي احتلها في سوريا والعراق. لقد نهب مليارات الدولارات التي وجدت في البنوك العراقية والسورية، ومع ترتيب الإدارة المدنية في المناطق التي احتلها فقد جبى مئات ملايين الدولارات كأموال ضرائب ورسوم، وبصورة متناقضة استخدم العمال المحليين الذين واصلوا الحصول على الرواتب من الحكومة العراقية.

بعد إعلان الانتصار عليه مالياً وجغرافياً في سوريا…

رسخ داعش شبكة تجارية متشعبة بدأت في العراق وسوريا وانتقلت عبر المناطق الكردية إلى تركيا. لقد باع النفط لحكومة سوريا وسيطر على مصانع وباع للسكان منتوجات هذه المصانع. الآن يجب عليه إيجاد بدائل جديدة لمصادر الدخل هذه، وهي ستأتي كما يبدو من التبرعات ومن منظمات أخرى، لكنها ستكون أقل بكثير من رأس المال النقدي الذي كان لديه حتى الآن.

حرب وجودية جديدة

انتهاء العملية العسكرية ضد داعش سيطرح بصورة أشد مسألة استمرار تواجد القوات الأمريكية في سوريا ومستقبل الأكراد في دولة تحملت العبء الأساسي للحرب فيها. ذريعة أمريكا الرسمية للتدخل العسكري، الحرب ضد الإرهاب وتصفية داعش، تفقد معناها. طالما بقيت القوات الأمريكية هناك فإن مهمتها ستكون بالأساس الدفاع عن القوات الكردية من هجمات تركيا وسوريا.
سوريا أوضحت للأكراد في السابق أنه من الأفضل لهم التصالح مع النظام، وإلا فمن المتوقع أن يواجهوا الجيش السوري. تركيا التي احتلت المدينة الكردية عفرين وتقوم بقصف مناطق الأكراد في سوريا تنوي مواصلة حملة الاحتلال هناك لتصفية ما تسميه «قواعد الإرهاب» الكردية التي تشكل «تهديداً أمنياً» عليها. يمكن التقدير بأنه في الاختبار بين سلامة الأكراد الذين كانوا رأس الحرب الأمريكية ضد داعش وبين التنازل لتركيا من الأفضل التصالح مع تركيا.
ثمة نقطة اشتعال أخرى في محافظة إدلب، المعقل الأخير للمتمردين الذي فيه بضع عشرات آلاف المسلحين من مليشيات مختلفة، من بينهم جبهة النصرة. روسيا وسوريا تخططان منذ أشهر للسيطرة بالقوة على المحافظة وطرد المتمردين منها. تركيا تعارض خشية من أن يتم إغراقها بمئات آلاف اللاجئين. إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع المتمردين فستكون معركة صعبة ودموية أكثر من الحرب في مدينة باروز ضد داعش. وسواء تم التوصل إلى اتفاق أم لم يتم فسيكون السؤال إلى أين سيتم إخلاء رجال المليشيات وبالأساس مقاتلي جبهة النصرة الذين يشكلون القوة المسلحة الاكبر في إدلب. هذا السؤال صحيح أيضاً بالنسبة لمقاتلي داعش الذين يبحثون الآن عن ملجأ. الكثيرون منهم سيعودون إلى الدول التي جاءوا منها في الشرق الأوسط، القوقاز وروسيا ودول أوروبا. الخوف هو من أن ينقلوا إلى تلك الدول جبهة القتال من سوريا والعراق ويفرضوا عليها استمرار الحرب.
إضافة إلى هذه التحديات الجديدة ستشكل عبئاً لإعادة تأهيل مئات العائلات التي هربت في سنوات الحرب ضد داعش. حسب التقارير من العراق فإن خطة لإعادة التأهيل التي وعدت بها الحكومة تجري بشكل بطيء. أغلبية المدن والقرى لم تحصل بعد على المساعدات الحكومية التي وعدت بها رغم مرور سنتين تقريباً منذ إعلان رئيس الحكومة العراقي عن هزيمة داعش في بلاده.
التقدير هو أن العراق سيحتاج إلى 100 مليار دولار لإعادة الحياة لتلك المدن كما كانت في السابق. وفي سوريا سيضطر مئات آلاف المهجرين إلى الانتظار إلى أن يتم تطهير مواقع سيطرة داعش من الألغام والعبوات الناسفة التي خلفها التنظيم خلفه. إن إعادة إعمار الدولتين سيحتاج إلى تجند دولي، الذي لا يظهر الآن حقيقياً بشكل خاص، لا سيما بعد توضيح أمريكا بأنها لا تنوي الإسهام بنصيبها في إعادة إعمار سوريا طالما لا يوجد فيها نظام مستقر ومتفق عليه. بالنسبة للمدنيين هناك فإن انتهاء الحرب ضد داعش هو بداية لحرب وجودية جديدة.

تسفي برئيل
هآرتس 24/3/2019

قد يعجبك ايضا