واشنطن بوست: محاكمة قتلة خاشقجي في أمريكا ممكنة

 

وهج 24 : قدم البرفيسور لي سي بولينغر، الرئيس الـ 19 لجامعة كولومبيا وأستاذ القانون فيها مقترحا كيفية محاكمة قتلة جمال خاشقجي. وبدأ مقالته التي نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” إن التعديل الأول في الدستور الأمريكي يسمح للفرد في الولايات المتحدة انتقاد القادة السياسيين بدون خوف من العقاب. ويحصل الصحافيون الذين تقوم وظيفتهم على التحقيق في أداء الشخصيات العامة على حماية إضافية من الدولة.
وتساءل الكاتب عما يجري عندما يقوم صحافي مقيم في الولايات المتحدة بإغضاب زعيم أجنبي، ويحاول هذا الانتقام منه؟ ألا يحق لهذا الصحافي نفس الحماية؟ التي يكفلها الدستور للصحافي الأمريكي. ويعلق البرفسور بولينغر أن السؤال ليس أكاديميا: فهذه هي حالة الصحافي جمال خاشقجي، الصحافي السعودي المعارض الذي كان يقيم في الولايات المتحدة والكاتب المساهم في صحيفة “واشنطن بوست” والذي لم يتردد عن انتقاد النظام السعودي. فقبل ستة أشهر، في 2 تشرين الأول (أكتوبر) عذب وقتل في القنصلية السعودية في إسطنبول وبحسب السلطات الاستخباراتية الأمريكية فقد تمت عملية القتل بناء على أوامر من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. واعترفت الحكومة السعودية في النهاية أن خاشقجي قتل في القنصلية، ولكن بعد أسابيع من النفي وسط أجواء من الشجب والضغوط الدولية عليها. وحملت السعودية مسؤولية القتل مجموعة “مارقة” تجاوزت المطلوب منها وقتلت الصحافي. ووعدت الحكومة السعودية بمحاكمة المسؤولين ولم تفعل شيئا.

المحاكم الأمريكية والقانون الدولي تعترف بالصلاحية القانونية العابرة للحدود- فيما يتعلق بجرائم ارتكبت خارج الأراضي الأمريكية- ولكنها تصبح ضرورية في ظروف معينة.

ويضيف بولينغر : “في الوضع المثالي يتم استخدام المعاهدات الدولية لمحاكمة المشتبه بهم أمام محكمة الجنايات الدولية. لكن السعودية لا تعترف بمحكمة الجنايات الدولية ولم توقع على المواثيق المتعلقة بها”. ومع ذلك فهناك حل آخر. ويوضح البرفسور بولينغر أنه نابع من أمريكا، فالهجوم القاتل على خاشقجي-الذي كان يقيم بطريقة شرعية في الولايات المتحدة ويحمل أولاده الجنسية الأمريكية، كان هجوما وقحا وفاضحا على القيم الأمريكية وضد التعديل الأول في الدستور الأمريكي والذي يجسد الحقوق المعمول بها في هذا البلد. وبناء على هذا يصبح من واجب المحققين الفدراليين تحضير قضية جنائية ضد قتلة جمال خاشقجي. ويعترف الكاتب بالمعوقات التي ستقف أمام محاولة محاكمة مواطنين في الخارج بجريمة ارتكبها مواطنون غير أمريكيين. إلا أن هناك أسس قانونية منطقية لتحقيق ومحاكمة فدرالية.
ويقول بولينغر إن مبادئ القانون الدولي تحذر ضد تأكيد الاختصاص القانوني في جرائم ارتكبت في دول أخرى. لكن المحاكم الأمريكية والقانون الدولي تعترف بالصلاحية القانونية العابرة للحدود- فيما يتعلق بجرائم ارتكبت خارج الأراضي الأمريكية- ولكنها تصبح ضرورية في ظروف معينة.
ويصبح الاختصاص القضائي العابر للحدود مناسبا عندما تضر الجريمة بالمصالح الحيوية للدولة التي تقوم بالمحاكمة. فقتل صحافي بارز يكتب لصحيفة أمريكية، هو أوضح مثال عن “الرقابة في الخارج” والتي تقوض في عالم اليوم المعولم حرية التعبير والصحافة في الولايات المتحدة.

 ارتكاب جريمة داخل قنصلية  يكفي لكي يتحرك مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) ويقوم بالتحقيق.

كما ويمكن للمحاكم تطبيق الاختصاص القضائي العابر للحدود على جريمة حصلت في بلد وتركت أثرها على بلد آخر. مثل حالة إطلاق النار على شخص يقف على الجانب الآخر من الحدود الدولية. ويتم استخدام الاختصاص القضائي العابر للقارات في جرائم مثل القرصنة والإرهاب والتعذيب والتي يشجبها المجتمع الدولي، وهو ما جرى بالنسبة للجرم السعودي. ويشير بولينغر إلى حالة المحاكمة بجرم التعذيب. فالقانون الفدرالي يجرم أي فعل يرتكبه شخص تصرف خارج القانون، أو استخدم سلطة قانونية لا يملكها في الحقيقة من أجل التسبب بألم نفسي أو جسدي. ويتم تطبيق هذا النظام على ممارسات تعذيب ارتكبت خارج الولايات المتحدة. ويرى الكاتب أن جريمة ارتكبت داخل قنصلية أساس يكفي لكي يتحرك مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) ويقوم بالتحقيق. ويعلق بولينغر ” أن القانون الدولي يعترف بشناعة جريمة التعذيب ويحمل الدول مسؤولية محاكمة الجلادين داخل حدودها حتى لو ارتكبت الجريمة في مكان آخر. وسواء دخل الجلاد الولايات المتحدة طوعا أو بالإكراه لا أهمية له، وما يهم أنه “موجود” هنا. ولو استطاعت الولايات المتحدة ترتيب عملية القبض على المشتبه بهم وترحيلهم إلى الولايات المتحدة فعندها سيتم محاكمتهم بتهم التعذيب. وهذا سيناريو ليس خياليا لأن الولايات المتحدة تحركت في السابق.”
ولو لم يتوفر هذا الطريق فهناك خيار آخر من خلال حالات الحريات المدنية الفدرالية وبناء على نظام حماية الأفراد الذين يمارسون حقوقهم الدستورية. ويردف الكاتب قائلا :”إنه لو تآمر أشخاص على جرح، قمع، تهديد، أو استفزاز أي شخص يسكن في الولايات المتحدة يمارس حقه بحرية ضمن ما يضمنه له الدستور من حماية، ولو أدى هذا للموت، فسيواجه الجناة السجن مدى الحياة أو الإعدام” . ومع أن هناك أسئلة بحاجة للإجابة عليها بشأن صلاحية المبدأ على حالة خاشقجي بما فيها وجود الضحية في الولايات المتحدة وقت الجريمة إن كان الضحية غير مواطن إلا أن التاريخ التشريعي يقترح وبقوة إنه قابل للتطبيق.
فالاختصاص القضائي للمحاكم الأمريكية ينسحب على حالة خاشقجي نظرا لتأثر المصالح الأمريكية وبسبب قمع الحقوق الدستورية لخاشقجي والتي شعر بها في الولايات المتحدة حيث كان الصحافي يمارس عمله. ويعتقد الكاتب أن الحالة لمحاكمة الجناة في مقتله ستكون قوية لو أثبت المحققون أن ملامح من الجريمة حدثت في الولايات المتحدة من ناحية تواصل السعوديين معه وإغرائه بالسفر إلى تركيا. ويعتقد الكاتب أن محققا نشطا يستطيع استخدام أي اتصال حتى لو تم من خلال تحولات مالية عبر المصارف الأمريكية من أجل بناء قضية عن تآمر وتأكيد الاختصاص القضائي. واستند المحققون الفدراليون على أدلة أقل أهمية من تلك التي توفرها حالة خاشقجي.
ويختم الخبير القانوني مقاربته بالقول إن الولايات المتحدة لم تظهر أي اهتمام في متابعة قتلة خاشقجي. فلا جدال حول تقديم الجناة في هذه الجريمة الشنيعة ومحاكمتهم. وفي الوقت نفسه لا جدال حول واجب الولايات المتحدة للدفاع عمن يمارس حقوقه الدستورية خاصة حرية التعبير والإعلام. ويمكن تحقيق الهدفين من خلال تطبيق القوانين الأمريكية العملية والمباشرة. ويجب أن يعرف كل شخص سواء كان صحافيا معروفا أو مواطنا هاديا أن المادة الأولى من الدستور تدعمه.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا