دعوة ماكرون لرؤساء دول الساحل تثير جدلا كبيرا في المنطقة
وهج 24 : أثارت الدعوة التي وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل يومين لقادة دول الساحل يوم السادس عشر ديسمبر/كانون الأول الجاري للتشاور حول الحضور العسكري الفرنسي في مالي، جدلا كبيرا داخل الأوساط السياسية في كل من مالي وبوركينافاسو.
وأثار شكل الدعوة حساسيات لدى أوساط سياسية محلية مشهورة بمعارضتها للوجود العسكري الفرنسي في مالي، فقد رأى المنتقدون أن هذه الدعوة “تشبه في طريقتها استدعاء أب لأولاده”.
وأكد ابريما ديكو الأستاذ بجامعة باماكو في تصريح نقلته عنه “جون أفريك”: “هذه الدعوة أثارت لغطا كبيرا، فقد قارنها الكثيرون بقمة لابول التي نظمها الرئيس الفرنسي السابق متران عام 1990، وهم يرون أن فرنسا تستدعي اليوم خدامها”. وأوضح موسى بارا الوزير الأول المالي السابق أن “لقاء تشاوريا حول عملية برخان يمكن أن يكون أمرا إيجابيا في هذا الوقت الذي تشهد فيه العملية مصاعب في الوصول لهدفها الإستراتيجي وهو القضاء على الإرهاب”.
إلا أن موسى بارا انتقد في تصريحاته شكل الدعوة التي وجهها ماكرون، مؤكدا أنه “كان بإمكان الرئيس الفرنسي أن يقول بأن اللقاء لقاء متفق عليه بين الرؤساء”.
فرنسا مسؤولة نوعا ما عن الوضع الحالي في منطقة الساحل، فجميع ما يحدث حاليا في منطقة الساحل أصله ما قامت به فرنسا في ليبيا عام 2011
وفي تصريح آخر لجون أفريك، أكد هيرفي واتارا رئيس الجبهة المضادة للفرنك الإفريقي أن “فرنسا مسؤولة نوعا ما عن الوضع الحالي في منطقة الساحل، فجميع ما يحدث حاليا في منطقة الساحل أصله ما قامت به فرنسا في ليبيا عام 2011″، حسب قوله.
وأضاف: “آن الأوان ليعلن قادة دول الساحل استقلالهم عن فرنسا وأن يناقشوا الأمور معها بندية تامة مع الاحترام المتبادل، ونحن نعتقد أن الفرنسيين جاؤوا إلى منطقة الساحل من أجل نهب ثرواتنا وموادنا الأولية”.
وينظر قادة الساحل خفية، وبخاصة الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز الذي يعتبر “مؤسس مجموعة دول الساحل الخمس”، لبعثة برخان الفرنسية المرابطة في مالي منذ عام 2013 كما لو كانت غير ضرورية، داعين إلى “استبدالها بقوة مجموعة الساحل العسكرية المشتركة، وتوجيه الأموال المخصصة لقوة برخان إلى قوة الساحل”.
وسبق لقادة المجموعات الجهادية المسلحة الناشطة في منطقة الساحل أن برروا عملياتهم الجهادية بأنها “رد على وجود القوات العسكرية الغربية في مالي وفي منطقة الساحل”، مؤكدين أنه “لولا وجود هذه القوات لما لجأوا للأعمال القتالية”، حسب زعمهم.
وجاءت دعوة الرئيس ماكرون لقادة دول الساحل أياما بعد الإعلان عن مصرع 13 جنديا فرنسيا كانوا يشاركون في عملية عسكرية ضد متطرفين في مالي.
وتدخلت فرنسا عسكريا في مالي في يناير/كانون الثاني 2013، مع تزايد المخاوف من سيطرة متطرفين على العاصمة باماكو بعد وقوع انقلاب عسكري.
ومنذ العام 2002، تشهد المناطق الشمالية والوسطى من مالي صراعات انفصالية وهجمات إرهابية.
وأكد الرئيس الفرنسي في نص دعوته لقادة دول الساحل بأنه “يريد جوابا واضحا حول قضية الوجود العسكري الفرنسي في مالي”.
ووجه ماكرون هذه الدعوة المثيرة خلال مشاركته في قمة لحلف الناتو نظمت في واتفورد قرب لندن.
وربط ماكرون في تصريحاته بين استمرار وجود بعثة برخان العسكرية الفرنسية بحصوله على “توضيح” حول هذا التدخل، من قادة مجموعة الساحل الخمس.
وأضاف: “لا يمكنني بل لا أريد أن أرى جنودا فرنسيين في أي منطقة من مناطق الساحل، وبخاصة في هذا الوقت الذي يكتنف فيه الغموض تحركات مضادة لفرنسا يقف وراءها مسؤولون سياسيون”.
وأوضح الرئيس ماكرون في تغريدة له على “تويتر”: “ينبغي أن نراجع ضوابط وجودنا المشروع في الساحل”.
ونقلت مجلة “جون أفريك” عن مصدر في الأليزيه قوله إن “الرئيس ماكرون اتصل بنظرائه قادة دول الساحل واقترح عليهم لقاء تشاوريا يوم 16 ديسمبر الجاري”. وأضاف المصدر: “الغرض من اللقاء هو تجاوز سوء التفاهم والبحث عن حلول للنظرات المتصاعدة غير المرحبة بالتدخل العسكري الفرنسي في الساحل، سواء على مستوى الرأي العام الفرنسي أو الرأي العام في الساحل وبخاصة في مالي وبوركينافاسو”.
وقد لوحظ في الآونة الأخيرة على مستوى الرأي العام المالي والبوركينابي تصاعد كبير للانتقادات الموجهة للتدخل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل.
وكرر مسؤولو الأليزيه مرات قولهم: “يجب أن نخرج من اللقاء المقرر برؤية واضحة لمسؤولي مجموعة الساحل: عليهم أن يوضحوا الأسباب التي جعلتهم يطلبون من فرنسا الوقوف إلى جانبهم؛ فإذا اتضح أنهم غامضون في مواقفهم أو إذا قالوا لنا ارجعوا، فإننا لن نبقى هناك، مع أن هذا ليس هو السيناريو المؤمل لكنه سيكون مطروحا على الطاولة”.
ويسعى الرئيس ماكرون إلى تطوير عملية تدخل بلاده في الساحل حيث أنها تنشر 5400 جندي في المنطقة، وهو يسعى، في هذا الإطار، للحصول على تأييد شركائه الأوروبيين، حيث طلب من حلفائه في الناتو أن يتدخلوا بقوة في الساحل من أجل دحر الإرهاب.
وفي هذا الإطار وجه الرئيس ماكرون في أحد تصريحاته حول هذه القضية لشركائه في حلف شمال الأطلسي قوله: “الحلف ليس أقوالا بل أفعال”.
وبدأت فرنسا تدخلها في شمال مالي في كانون الثاني/يناير 2013، عبر عملية سيرفال بغية منع الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة من السيطرة على البلاد.
ومنذ ذلك الحين، توحّدت العمليات الفرنسية التي تضم زهاء 4500 جندي تحت اسم عملية برخان.
واعتبارًا من عام 2020، ستنتشر القوات الخاصة الفرنسية إلى جانب القوات الخاصة لدى الشركاء الأوروبيين في مالي بقيادة عملية برخان، في إطار وحدة مشتركة تُدعى “تاكوبا”، بغية مواكبة القوات المسلّحة المالية.
وأظهرت القوة المشتركة التابعة للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، التي أسسها رؤساء بلدان المجموعة عام 2017 في باماكو، عزيمة بلدان المنطقة على تولي زمام أمنها وتنسيق إجراءاتها في المناطق العابرة للحدود.
وتشمل مهام القوة المشتركة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والاتجار بالبشر في الأراضي التابعة لبلدان المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل.
المصدر : القدس العربي