انقسام كبير في السودان بين العسكر والمدنيين بسبب التطبيع مع إسرائيل
وهج 24 : أحدثت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، ليوغندا ولقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي هناك، ردود أفعال واسعة على كافة المستويات، أبرزها ظهور خلاف واضح بين المكونين المدني والعسكري في الحكومة الانتقالية وتباين حاد بين مختلف فئات الشارع السوداني.
اللقاء الذي توقع كثيرون أن يكون سريا، أشعل الأوضاع في السودان وفي محيطه العربي والإسلامي بعد ساعات فقط من انتهائه يوم الاثنين الماضي، وذلك بعد الإعلان الرسمي للحكومة الإسرائيلية، لما تم بين الرجلين من حدث وُصف بالتاريخي والإعلان عن “بدء التعاون تمهيدًا لتطبيع العلاقات” بين الجانبين، وذلك في بيان صدر عن مكتب نتنياهو.
وزير الإعلام والناطق الرسمي للحكومة السودانية، سارع بإصدار بيان ينفي علم الحكومة بما جرى قال فيه: “لم يتم إخطارنا أو التشاور معنا في مجلس الوزراء بشأن هذا اللقاء، وسننتظر التوضيحات بعد عودة رئيس مجلس السيادة”.
وأصدر البرهان تعميما مقتضبا أكد فيه أن السياسة الخارجية من صميم عمل مجلس الوزراء، مشيرا إلى أنه قام بالزيارة “من أجل الأمن القومي السوداني” وأن المضي قدما في هذا الاتجاه تقرره الجهات المختصة.
وقبل أن يجتمع مجلس الوزراء السوداني حول هذا الأمر، حاول رئيس الوزراء عبد الله حمدوك أن يستخدم كل مهارات الدبلوماسية مرحبا بالتعميم الصحافي لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان حول اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، وفي ذات الوقت أكد أن “الالتزام بالأدوار والمسؤوليات المؤسسية أمر أساسي لبناء دولة ديمقراطية حقيقية”. ونبّه حمدوك لضرورة التمسك “بالهياكل الانتقالية ككل ضمان المساءلة والمسؤولية والشفافية في جميع القرارات المتخذة” استنادا إلى الوثيقة الدستورية التي تمثّل الإطار القانوني في تحديد المسؤوليات، وخلص رئيس الوزراء إلى أن “العلاقات الخارجية من صميم مهام مجلس الوزراء وفقًا لما تنص عليه الوثيقة الدستورية”.
وتداعت الأحداث وأصدر الجيش بيانا ساند فيه قائده وجاء فيه “عُقد اجتماع بالقيادة العامة وأمن على نتائج زيارة القائد العام ليوغندا ومخرجاته بما يحقق المصلحة العليا للأمن الوطني والسودان”. ثم دعا البرهان رؤساء تحرير الصحف لاجتماع عاجل قلب فيه كل الموازين معلنا أنه أخطر رئيس الوزراء بذلك اللقاء قبل يومين، مؤكدا أنه انعقد بترتيب من الولايات المتحدة والغرض منه هو الحرص على الأمن الوطني الشامل للسودان وأنه مرتبط بدعوته لزيارة واشنطن.
وأوضح رئيس المجلس السيادي في السودان أن لقاء نتنياهو “جاء للبحث في مستقبل العلاقات” وسيسهم في اندماج السودان في المجتمع الدولي، مؤكدا “الاتفاق على عبور رحلات شركات الطيران الدولية المقبلة من إسرائيل” وتحدث عن ضرورة إيجاد مخرج للأزمة الاقتصادية الخانقة في السودان وتوقع إزالة اسم البلاد من قائمة الإرهاب في وقت قريب .
وبعد صمت، خرج تجمع المهنيين السودانيين ببيان عنوانه “ حول تجاوز المؤسسة العسكرية لمهامها وتدخلها في السياسة” وذلك عقب مخرجات المؤتمر الصحافي الذي انعقد في مباني القيادة العامة للجيش. وجاء في البيان أن “ما صدر عن المؤتمر الصحافي من تصريحات وإشارات يعد تجاوزاً آخر أكثر خطورة وانحرافا مريعا عن مجرى الثورة السودانية وأهدافها، كما أنه يخل بقومية القوات المسلحة وحيادها ويخرج بها عن مهامها للتدخل السافر وغير المقبول في الحياة السياسية وأمور السلطات المدنية، وهو ما يهدد الفترة الانتقالية والوثيقة الدستورية التي تحكمها ومكتسبات واستحقاقات شعبنا التي ناضل من أجلها طويلا وقدم أعظم التضحيات”.
وعقد مجلس الوزراء اجتماعا طارئا بعد حديث البرهان عن علم رئيس الوزراء بلقائه نتنياهو ونفى حمدوك ذلك تماما، مؤكدا عدم وجود أي إخطار أو تشاور في هذا الأمر. وأضاف البيان “أن أمر العلاقات مع إسرائيل هو شأن يتعدى اختصاصات الحكومة الانتقالية ذات التفويض المحدود، ويجب أن ينظر فيها الجهاز التشريعي والمؤتمر الدستوري”.
الانقسام الذي حدث في قيادة الفترة الانتقالية، انتقل للشارع السوداني وجاء وفقا لعدة معطيات، رفضت فئة الخطوة التي قام بها البرهان باعتبار خرقا للوثيقة الدستورية وتجاوزا لمهامه في مجلس السيادة، بينما اعتبرت فئة أخرى أن التطبيع مع إسرائيل أمر مرفوض دينيا وأخلاقيا، ورأت مجموعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن مصلحة البلاد أهم من أي شيء وعدّد هؤلاء العلاقات التي تمت بين الكيان الصهيوني ودول عربية وإسلامية.
وطال الانقسام، الأحزاب السياسية التي رفض بعضها التطبيع من منطلقات أخلاقية مثل الحزب الشيوعي وأحزاب البعث العربي، بينما رأت الأحزاب والجماعات الإسلامية أن موالاة اليهود تدخل في مخالفة الشرع الإسلامي ووصف الحزب الاتحادي الموحد ما حدث “تعدياً وتجاوزاً وانفراداً غير مسنود بأي أسانيد تشريعية أو سياسية”.
وقال الحزب الجمهوري: “إننا لسنا مع الانسياق والهرولة تجاه إسرائيل بدون بصيرة وبدوافع الخوف من أمريكا أو الطمع في رضائها من أجل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ولكننا بنفس القدر نظل دعاة لتصحيح مسار علاقات الدول العربية مع إسرائيل والتي ظل معظمها يعمل في الخفاء في توادد وتوافق معها ويعمل في العلن في دغدغة عواطف الشعوب العربية وحفظها في كبسولة العداء التاريخي التهريجي لإسرائيل”. وأعلن الحزب موقفه بأنه مع السلام والتطبيع مع إسرائيل على أن يأتي من باب المؤسسة وليس الفرد.
ويصف عبد الماجد عبد الحميد، رئيس تحرير صحيفة “مصادر” لقاء البرهان ونتنياهو لـ”القدس العربي” بأنه “تجاوز لكل الخطوط الحمراء في علاقات السودان الخارجية، وتجاوز لكل تاريخ السودان المساند للقضية الفلسطينية”. مضيفا أن ما حدث تجاوز لكل مؤسسات العمل الوطني والسياسي وعدم قراءة للمشهد العام، لافتا إلى أن كل الدول التي وقعت اتفاقيات مع إسرائيل لم تستفد شيئا، ويشير إلى أن ردة الفعل جاءت ضعيفة ولا تتناسب مع الحدث ويقول: “يبدو أننا أمام مشهد انفتاح على إسرائيل وهو أمر مؤسف”.
ويرى الصحافي خالد أحمد، الموجود في يوغندا، أن اللقاء يمثّل امتدادا للعلاقات التي بدأت مع نظام البشير، مشيرا للوجود الإسرائيلي في افريقيا والعلاقات مع كينيا ويوغندا وتشاد وجنوب افريقيا وأثيوبيا والبحث المستمر عن ضمان “مرور الطيران الإسرائيلي في طريقه إلى أمريكا اللاتينية بالأجواء السودانية” مشيرا إلى أهمية السودان بوصفه جسرا يربط بين العرب وافريقيا.
ويقول، إن الفترة الانتقالية في السودان تشهد تحديات كبيرة تحتاج لرفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية وسحب السودان من الدول الداعمة للإرهاب، موضحا أن النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة يمكنه المساعدة في ذلك.
ويشير خالد إلى سبب آخر لبدء علاقات إسرائيلية مع السودان وهو الانتخابات الداخلية وموضوع اللاجئين السودانيين العالقين بين يوغندا وتنزانيا حيث يمكن أن يكونوا ورقة سياسية، وأضاف أن الإعلام اليوغندي لم يفرد له أي حيّز ويعود ذلك، إلى أن اللقاء كان من المفترض أن يكون سريا.
المصدر : القدس العربي