محمد توفيق علاوي بين وعود إصلاح خيالية وهيمنة طاغية لأحزاب السلطة في العراق

مصطفي العبيدي

 

في تناقض مفضوح مثير للشكوك والريبة تابع العراقيون وعود المكلف بتشكيل حكومة جديدة محمد توفيق علاوي، وهو يعلن سيلا من التعهدات التي لا يمكن تصور قدرته على تلبية ولو جزء بسيط منها، مثل القضاء على الفساد وإنهاء المظاهر المسلحة في المجتمع ومحاسبة قتلة المتظاهرين وتشكيل حكومة بعيدة عن الأحزاب، في الوقت الذي يتفق المطلعون على أن علاوي بشخصيته الضعيفة وغير المدعوم بأحزاب قوية، أبعد ما يكون عن رئيس حكومة قادر على مواجهة التحديات الهائلة في العراق.

ومنذ اللحظة الأولى لإعلان رئيس الجمهورية برهم صالح، تكليف محمد علاوي بتشكيل حكومة جديدة، اندفع المتظاهرون إلى ساحات الاعتصام في بغداد والمحافظات للإعلان عن الرفض القاطع لهذا الترشيح، الذي اعتبروه استخفافا بمطالب الاحتجاجات الشعبية التي مر عليها أكثر من أربعة أشهر قدمت خلالها تضحيات غالية من أجل الإصلاح والتغيير في البلاد. وكانت تنسيقيات الحراك الشعبي قد حددت مواصفات رئيس الحكومة المقبل بكونه لا ينتمي إلى أحزاب السلطة ولم يشارك في الحكومات أو البرلمان وألا يحمل جنسية أجنبية، وهي مواصفات يفتقدها علاوي.

وبترشيح محمد علاوي تثبت الأحزاب المتنفذة مجددا، عدم استعدادها للتخلي عن السلطة وإصرارها على إجهاض التظاهرات الشعبية المطالبة بالإصلاح وتجاهل سقوط أكثر من 600 متظاهر ونحو 22 ألف جريح، ولذا جاء رفض تنسيقيات الحراك تكليف علاوي، معلنة “رغم شروطنا التي أعلنتها ساحات الاحتجاج مراراً وتكراراً بشأن اختيار رئيس وزراء للحكومة المؤقتة وشريطة أن يكون غير جدلي، إلا أن سلطة القمع السياسية تصرّ على جر البلاد إلى المجهول”. وأضاف البيان أن “ساحة التحرير وساحات الاحتجاج ترى أن تكليف محمد علاوي استهتار جديد بمطالبنا وصورة من صور الخراب”، متوعدة بـ”الاستعداد لموجة جديدة من المواجهة والتصعيد ضد السلطات وأحزابها وميليشياتها”.

ورغم محاولات المرشح لرئاسة الحكومة العراقية كسب ثقة حركة الاحتجاجات وإقناعها عبر إطلاقه قائمة وعود طويلة للإصلاح، إلا أن رد الانتفاضة كان حاسما في رفضه، حيث أن وعود علاوي امتدت إلى مديات يتفق العراقيون على أنه لا طاقة له بها أبدا، مثل محاسبة المسؤولين عن العنف ضد المتظاهرين، وتشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة الطائفية والحزبية، والتهيئة لإجراء انتخابات مبكرة تكون “نزيهة وشفافة”، وتوفير فرص العمل للمواطنين، ومحاربة الفساد المتفشي وحل اللجان الاقتصادية للأحزاب، وحصر السلاح بيد الدولة، إضافة إلى تعهده بحماية العراق من أي تدخل خارجي وألا يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات والصراعات. هذه الوعود كررها جميع رؤساء حكومات ما بعد الاحتلال، بدون التمكن من تنفيذ ولو جزء يسير منها.

وعموما فقد تباينت ردود الأفعال إزاء ترشيح محمد علاوي، بين قلة موافقة وأغلبية رافضة. فإضافة إلى رفض الحراك الشعبي ومعظم العراقيين وقوى سياسية لترشيح علاوي فإن المقربين منه مثل الكاتب حسن العلوي، أكدوا أنه سيفشل بمهمة قيادة الحكومة لأنه ضعيف ولا يستند لحزب قوي ولا يشعر بمعاناة العراقيين كونه من عائلة غنية منذ عهد النظام السابق، فيما يرى النائب فائق الشيخ علي “أن تكليف محمد علاوي جريمة بحق العراق، كونه نسخة مطابقة لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي”، واصفا إياه بـ”الجبان والتافه”، ومؤكدا أن “الأخير جاءت به إيران وذيولها”، حسب قوله.

وعدا الأحزاب والميليشيات الشيعية وإيران فإن تأييد ترشيح علاوي كان ضئيلا على المستوى الشعبي، كما اقتصر على تمنيات دولية بعيدة عن الواقع بقيام حكومة قادرة على تقديم حلول لأزمات العراق المزمنة، حسب بيانات أممية وأوروبية وأمريكية.

وينتمي محمد توفيق علاوي إلى عائلة شيعية غنية عاشت سنوات طويلة في بريطانيا، وعاد إلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي، وانتمى إلى كتلة ابن عمه اياد علاوي، وفاز بعضوية البرلمان، كما تم تكليفه بحقيبة الاتصالات في حكومة نوري المالكي، لكنه استقال منها، لعجزه عن مقاومة ضغوط وفساد الأحزاب والميليشيات في وزارته. وهو يرتبط بعلاقة مصاهرة مع رئيس التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي يدافع عنه هو وباقي القوى الشيعية. كما يرى آخرون انه سيكون أسير علاقاته التجارية والعقائدية مع إيران.

وبات واضحا أن تكليف علاوي لتشكيل حكومة جديدة مهمتها الأساسية التهيئة لانتخابات مبكرة تحافظ على هيمنة أحزاب السلطة، قد رافقه تحرك القوى الشيعية لإجهاض الانتفاضة المطالبة بالإصلاحات. وإذا كانت المحاولات السابقة لإنهاء الاحتجاجات، تعتمد على القوات الأمنية الحكومية والفصائل المسلحة (من وراء الستار)، فإنها اختارت هذه المرة التيار الصدري لتنفيذ هذه المهمة نظرا لاتساع قاعدته الشعبية في الوسط الشيعي ولوجود أذرع عسكرية لديه أبرزها جيش المهدي وسرايا السلام وأصحاب القبعات الزرق. إلا أن المراقبين يرون أن مقتدى الصدر، المقيم حاليا في إيران، خسر معظم رصيده الشعبي عندما وقف ضد إرادة المواطنين المطالبين بالإصلاح عبر دفع أتباعه للسيطرة بالقوة على ساحات الاعتصام في بغداد والمحافظات والاعتداء على المتظاهرين واستباحة دمائهم وحرق خيامهم، وسط مخاوف من اندلاع نزاعات أهلية بسبب سلوكيات التيار الصدري.

ويتفق المراقبون أن لا أمل في محمد علاوي، الذي يتعهد بالمستحيل رغم ضعفه تجاه سطوة القوى السياسية المحلية والإقليمية، ما يجعل مصيره لا يختلف عن سلفه عادل عبد المهدي. ويعزز القناعة بأن اختياره هو محاولة لترحيل الأزمة وإسكات التظاهرات وتهرب من الإصلاح، مع يقين الجميع بان الانتخابات إذا أجريت بنفس الآليات والظروف الحالية فلن تنتج سوى صورة مكررة لحكومات ما بعد الاحتلال، مما يفتح آفاقا نحو المجهول لكون الحراك لن يقبل بنتائجها مرة أخرى، إضافة إلى تعزيز تداعيات من بينها الفتنة الداخلية ومخاطر تنامي النزعات الانفصالية مثل إقامة الإقليم السني بتشجيع كردي أمريكي مقابل هيمنة حلفاء إيران.

قد يعجبك ايضا