في وداع رجلٍ لم يترجّل
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي.
………………
السلام عليك يا من مررت في حياتنا مرور النبلاء، لا تُحدِث ضجيجًا، ولا تطلب تصفيقًا، ولكنك تترك الأثر العميق الذي لا تمحوه الأيام.
السلام عليك وأنت تغادر موقعك لا لأنك قصّرت، بل لأنك أخلصت؛ ولا لأنك عجزت، بل لأنك أزعجت زمنًا لا يحتمل المستقيمين.
رأيتك — يا ماجد — لا في قاعة الاجتماعات ولا خلف المكاتب الوثيرة، بل رأيتك حيث لا يُرى الكبار عادة: عند كمامةٍ ألقاها عابر، فالتقطتها كأنك ترفع عن المدينة وصمة إهمال، وعند عاملٍ أخطأ الطريق فدللته لا بعصا السلطة بل بيد الأخوة.
وهناك، أدركت أن الرجولة ليست رتبة، وأن القيادة ليست لقبًا، وأن العظمة قد تسكن فعلًا صغيرًا لا يلتفت إليه أحد.
لن أحدثك عن علمك، فالعلم يشهد له من بلغ ذرى المسؤولية في ميادين الطب والجراحة، ولكنني أحدثك عن الخلق؛ عن ذاك الشيء النادر الذي إذا اجتمع مع العلم صار الإنسان أمة، وإذا غاب عنه صار الطبيب تاجر ألم.
يا صديقي، لقد عرفت — منذ لقائنا — أن هذا الزمان ليس زمانك؛
فهو زمنٌ تُرفع فيه الأكتاف لا بالكفاءة، بل بالقرابة،
وتُفتح فيه الأبواب لا بالمفاتيح، بل بالوساطات،
زمنٌ يُقصى فيه المخلص لأنه يذكّرهم بتقصيرهم، ويُبعد فيه النزيه لأنه يفضح فسادهم بصمته قبل كلامه.
ما كان إحالتك إلى التقاعد مفاجأة،
فهذا وطن — في هذه المرحلة — لا يعرف كيف يحتفظ بخير رجاله،
ولا يجيد إلا فن الاستغناء عمّن يشبهون المستقبل،
ليفسح المجال لمن يشبهون الماضي… بل أسوأ ما فيه.
ومع ذلك، لا أحزنك يا أبا محمد؛
فأنت لم تُحال إلى التقاعد،
بل أُحيل المنصب عنك،
وما تقاعد الخُلُق، ولا شاخت القيم، ولا أُغلقت أبواب الرزق في وجه من جعل الله بين يديه شفاء الناس.
ستكون — بإذن الله — في خيرٍ مادي ومعنوي،
وستأتيك القلوب قبل الأجساد،
لأن الناس لا ينسون من داواهم بإنسانيته قبل مشرطه.
أما نحن…
فنحن الخاسرون،
خسرتك المؤسسة، وخسر المرضى، وخسر وطنٌ كان يمكن أن يكون أجمل لو عرف كيف يصون أمثالك.
امضِ بسلام،
فبعض الرجال لا يحتاجون إلى موقع،
لأنهم حيثما كانوا… كانوا موقعًا.
حفظك الله، وجعل ما قدمت في ميزان الخير،
والحمد لله على السلامة.
الكاتب من الأردن