المغامرون باسم الوطنية يجرون الأردن إلى النار
علياء الكايد …..
هناك فرق شاسع بين رجل دولة يعرف وزن الكلمة، ونائب يظن أن الدولة وزنها بقدر صوته.
ما يجري تحت القبة ليس اجتهادا سياسيا للأسف بل إنه استخفاف خطير بمفهوم الدولة نفسه. أن تقف وتطالب بطرد القائم بالأعمال الإيراني، وإغلاق السفارة، وأن تلوح في السياق ذاته بفكرة فتح الأجواء الأردنية في قلب حرب إقليمية مشتعلة، فهذه ليست شجاعة هذه “رعونة سياسية مكتملة الأركان”.
هل تدركون ماذا يعني إغلاق سفارة في لحظة حرب؟
هل تفهمون ماذا يعني فتح الأجواء لدولة تخوض مواجهة عسكرية؟
هذا ليس منشور على صفحتك الشخصية على منصة الفيسبوك ياسعادة النائب ، وليس هاشتاغ، وليس خطبة تصفق لها العشيرة أو الجمهور. هذا اصطفاف استراتيجي كامل، إعلان تموضع، ودخول رسمي في مسرح عمليات مفتوح على احتمالات الرد، والضغط، والعقوبات، والابتزاز، وربما ما هو أسوأ.
الأردن ليس دولة فائضة بالقوة حتى تعبثوا به لتثبتوا أنكم “أشد وطنية” من غيركم .
الأردن يعيش على توازن دقيق، على حسابات مركبة، على سياسة نفس طويل. هذا البلد لم يصمد عقودا لأنه كان يصرخ أكثر من غيره، بل لأنه كان” يحسب “أكثر من غيره.
أنتم لا تدافعون عن السيادة، أنتم تضعونها على طاولة (المقامرة).
فتح الأجواء يعني أننا لم نعد مراقبين حذرين، بل طرف في الصراع. يعني أن أي صاروخ سيقرأ مساره، وأي رد سيحسب علينا، وأي تصعيد سيضع اسم الأردن في خانة الشريك لا الوسيط. من الذي خولكم أن تقرروا تحويل هذا البلد من موقع التوازن إلى موقع الاشتباك؟
ثم تأتون بلغة التخوين، وتوزعون صكوك الوطنية كأنها إرث عائلي. من يعترض يصبح “شبيحا”، ومن يحذر يصنف. هذا ليس خطاب قوة؛ هذا خطاب” ضعيف” وجاهل و يخاف من النقاش. الوطنية ليست صراخ وصوت عالي، وليست احتكارا، وليست اتهام جاهز لكل من يرفض المغامرة.
الدولة التي يخنق فيها العقل باسم الحماسة تبدأ بالانهيار من الداخل قبل أن يختبرها الخارج.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للأردن ليس ضغطا خارجيا، بل انزلاق داخلي يقوده نواب يتوهمون أن الانفعال استراتيجية.
انظروا حولكم دول تختلف، تتصارع، تتنافس لكنها حين تصل إلى حدود الجغرافيا والسيادة تبرد أعصابها. لأنها تعرف أن الجغرافيا ليست أداة دعاية. أما أنتم فتتعاملون مع سماء البلد وكأنها منصة خطاب، ومع السفارات وكأنها لافتات يمكن خلعها في لحظة غضب.
هذه ليست بطولة.
هذه مقامرة.
والمقامر قد يخسر ماله وحده، لكن السياسي المتهور يخسر بلده معه.
كفوا عن استخدام الأردن مسرحا لإثبات حضوركم.
كفوا عن المتاجرة بالسيادة لرفع أسهمكم.
كفوا عن خلط الحماسة بالسياسة.
الوطنية ليست أن تدفع بلدك إلى حافة النار لتبدو شجاع. الوطنية أن تبقيه بعيدا عن النار حتى لو اتهموك بالبرود.
التاريخ لا يرحم السياسيين المتهورين.
والدولة لا تبنى بالصوت العالي بل بالعقل الثقيل.
وحتى الآن، ما نسمعه ليس عقل دولة بل “ضجيج” منصة.
علياء الكايد
الكاتبة من الأردن