أحداث نابلس… شهداء بلا مقاومة ودعاء بلا استجابة
بقلم: د. تيسير فتوح حجة ….
الأمين العام لحركة عدالة
في نابلس، المدينة التي اعتادت أن تكون عنواناً للصمود، يتكرر المشهد المؤلم: شهداء يرتقون، ودماء تسيل، وصمتٌ ثقيل يلفّ المكان. لكن ما يثقل القلب أكثر من رائحة البارود، هو ذلك الشعور المتنامي بأننا أمام معادلة مختلّة؛ شهداء بلا فعل مقاوم حقيقي يوازي حجم التضحيات، ودعاء يرتفع إلى السماء دون أن يجد طريقه إلى واقعٍ يتغير.
ولعل استشهاد نايف سمارو الذي سقط غدراً، يأتي شاهداً إضافياً على هذا الواقع القاسي، حيث لا يقتصر الألم على الفقد، بل يمتد إلى طبيعة الفقد ذاته، حين يكون الغدر عنواناً، والخذلان ظلّاً ثقيلاً يلاحق الحقيقة.
لم تعد المسألة مجرد اجتياحات عابرة أو مواجهات محدودة، بل أصبحت حالة عامة من الاستنزاف المنهجي، حيث يُدفع الشباب إلى ساحات الموت دون غطاء وطني جامع، ودون استراتيجية واضحة تُحوّل الدم إلى إنجاز سياسي أو وطني. هنا يكمن الخلل الحقيقي: حين يتحول الاستشهاد إلى حدث متكرر بلا تراكم، وبلا أفق.
إن الدعاء وحده، رغم صدقه وإخلاصه، لا يكفي لصناعة التغيير. فالدعاء الذي لا يُرافقه فعل، ولا تواكبه إرادة سياسية موحدة، يبقى معلقاً بين السماء والأرض. هذه ليست دعوة للتشكيك بالإيمان، بل صرخة لإعادة التوازن بين الإيمان والعمل، بين العاطفة والتنظيم.
نابلس اليوم لا تحتاج فقط إلى من يبكي شهداءها، بل إلى من يحمي أحياءها. لا تحتاج إلى خطابات موسمية، بل إلى مشروع وطني حقيقي يعيد الاعتبار للمقاومة المنظمة، ويُخرجها من حالة الفوضى والتشتت. فالمقاومة ليست فعلاً فردياً عابراً، بل فعلٌ جماعيٌ واعٍ، له قيادة، وله هدف، وله حسابات.
إن ما نشهده هو نتيجة طبيعية لحالة الانقسام والتآكل في البنية الوطنية الفلسطينية. فحين تغيب المرجعية، تتكاثر المبادرات الفردية، وحين تضيع البوصلة، يصبح الدم هو اللغة الوحيدة المتبقية.
من هنا، تؤكد حركة عدالة أن إعادة بناء الحالة الوطنية على أسس ديمقراطية، اجتماعية، ووحدوية، لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية. فلا يمكن لشعب أن يواجه احتلالاً بهذا الحجم، وهو مشتت الإرادة، متنازع القرار، ضعيف التنظيم.
شهداء نابلس، ومن بينهم الشهيد نايف سمارو، ليسوا أرقاماً، ولا مشاهد عابرة في نشرات الأخبار. هم رسالة، لكن السؤال: هل نقرأ هذه الرسالة كما يجب؟ أم سنبقى نكرر ذات المشهد، بذات الألم، وذات العجز؟
الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الترف السياسي أو الانتظار. فإما أن نرتقي إلى مستوى التضحيات، أو سنبقى ندور في حلقة مفرغة، حيث الشهادة تسبق الفعل، والدعاء يسبق التغيير.
رحم الله شهداء نابلس جميعاً، وعلى رأسهم الشهيد نايف سمارو، وألهمنا شجاعة المراجعة قبل فوات الأوان.
الكاتب من فلسطين