بين ضياع القيم والتقليد الأعمى: إلى أين يتجه مجتمعنا؟
بقلم: الدكتورة عبير بني طه. …..
في السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح أن المجتمع يمرّ بحالة من التراجع الأخلاقي والارتباك القيمي، حيث تراجعت المبادئ التي كانت تُشكّل أساس العلاقات الإنسانية، وحلّ محلّها تقليدٌ أعمى دون وعي أو فهم. لم يعد الكثيرون يسألون: «هل هذا صحيح؟» بل أصبح السؤال: «هل هذا منتشر؟» وكأنّ الانتشار أصبح معيارًا للصواب.
إن المنظومة الأخلاقية ليست مجرد شعارات تُرفع، بل هي سلوك يومي يبدأ من داخل الأسرة وينعكس على المجتمع ككل. ولكن عندما تُهمل التربية ويغيب التوجيه الصحيح، ينشأ جيل يفتقد البوصلة التي تميّز بين الصواب والخطأ. وهذا ما نراه اليوم في كثير من المواقف: ظلمٌ بين الأزواج، وقسوةٌ من الآباء تجاه الأبناء، أو حتى تفككٌ في أبسط العلاقات الإنسانية.
يُعدّ التقليد الأعمى أحد أخطر مظاهر هذا التراجع. فبدلًا من أن نفكّر ونحلّل، أصبح البعض ينساق وراء ما يراه في وسائل التواصل أو في محيطه دون إدراكٍ للعواقب. ولا يقتصر هذا التقليد على المظاهر، بل يمتد إلى السلوكيات والأفكار، فتُتبنّى عادات خاطئة لمجرد أنها «رائجة»، دون النظر إلى قيمتها أو تأثيرها.
الأخطر من ذلك أن هذا الانحدار لم يعد فرديًا، بل أصبح ظاهرة جماعية. فعندما يظلم الأب أبناءه بحجة التربية، أو تُهمل الزوجة حقوق زوجها، أو يُسيء الزوج معاملة زوجته، فإننا نكون أمام خللٍ عميق في فهم القيم، وليس مجرد أخطاء عابرة. فقد أصبحت العلاقات، التي كان من المفترض أن تقوم على الرحمة والاحترام، في بعض الأحيان ساحة صراع، يغيب عنها الوعي ويحلّ محلّه التسلّط أو الإهمال.
السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى؟
إلى متى سيبقى الإنسان يبرّر أخطاءه بكونها «طبيعية» أو «منتشرة»؟
إلى متى سيُترك الأبناء دون توجيهٍ حقيقي، فيتعلّمون من مصادر قد تفتقر إلى القيم؟
إن الحل لا يكمن في النقد فقط، بل في العمل الجاد لإعادة بناء الوعي الأخلاقي. يبدأ ذلك من الأسرة، حيث يجب أن يدرك الآباء أن التربية ليست مجرد توفير احتياجات مادية، بل هي غرسٌ للقيم والمبادئ. كما يجب على كل فرد أن يتحمّل مسؤوليته في مراجعة نفسه، والتفكير في سلوكياته بدلًا من تقليد الآخرين.
نحن بحاجة إلى وعيٍ حقيقي، والوعي لا يعني المعرفة فقط، بل الفهم والتطبيق. وعيٌ يجعل الإنسان يسأل قبل أن يقلّد، ويفكّر قبل أن يتصرف. كما أن المجتمع بحاجة إلى تعزيز ثقافة الحوار، واحترام الآخر، والعودة إلى أساس العلاقات الإنسانية القائمة على الرحمة والعدل.
في النهاية، الأخلاق ليست خيارًا ثانويًا، بل هي أساس بقاء المجتمعات. وإذا استمرّ الإهمال في التربية، واستمرّ التقليد الأعمى، فإننا سنواجه نتائج أخطر في المستقبل. لكن الأمل ما زال موجودًا، ما دام هناك من يطرح هذه الأسئلة ويسعى إلى التغيير.
فلنبدأ بأنفسنا… لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الآخرين، بل من الداخل.
بقلم: الدكتورة عبير بني طه
2/5/2026