انقلاب الموازين يا شوكت باشا
بقلم الإعلامي العميد المتقاعد هاشم المجالي
…………….
لو لم يتقاعد شوكت باشا التميمي مدير الخدمات الطبية السابق لما كنت أكتب عنه الآن ، ولكن لكونه صار لنا زميلا متقاعدا فإن الواجب يحتم علي ان اقول ما عرفته وأعرفه عن الباشا .
شوكت باشا مع أنه لم يمضي على استلامه منصبه سنتين على غير عادة مدراء الخدمات الطبية السابقين الذين يمضون على الأقل خمسة سنوات بمناصبهم ، ولكنني كنت قد لمست فيه الخير والطيب والصدق، ولي معه الكثير من القصص التي يصعب علي سردها في مقالتي هذه ،ولكنها كانت كلها تحاكي واقع أمانته وصدقه وإخلاصه وحبه لمهنته ووطنيته .
وكما عودنا جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه ان نتكلم ونعترف بمشاكلنا لكي نستطيع ان نحلها ، وكلنا يعرف ان سيدنا في كل لقاءاته و خطاباته وندواته وأوراقه النقاشية كان يؤكد على ان نتكلم ونقول ما يفيد ويثمر ويحسن الواقع الذي نعيشه في هذا الوطن ، فعندما قال سيدنا أننا يجب ان نعتمد على أنفسنا في اقتصادنا وإنتاجنا وأنه لا يوجد دعم دولي وعربي كما كان بالسابق لنا ، والقصد من وراء تصريحاته إنه يعترف صادقا ومخلصا وأمينا على الوطن بوجود مشاكل وأنه يريد التشارك مع الشعب في ايجاد الحلول لها ، فمثلا عندما تكلم سيدنا عن صفقة القرن وسيناريوهاتها كان أيضا قد اعترف بوجود المشكلة وأن هناك ضغوطا شخصية عليه وعلى الدولة وأنه لن يرضخ لها ، فهذا اعتراف بوجود المشكلة وانه يرغب بدعم الشعب له في الحل الوحيد لها آلا وهو عدم الرضوخ للقوى الصهيوامريكية وضغوطاتهم .
إن القواعد والنظريات الفلسفية والعلمية تقول دائما أن الاعتراف بوجود المشكلة يعتبر 50% من حلها .
وهذا ما جرى مع شوكت باشا التميمي الذي اعترف بوجود المشكلة من أجل حلها ، ولو أن هذا الأمر قد كان حدث من قبل مع كل من الدكتور حيدر الزبن عندما كان مديرا للمواصفات والمقاييس وكان يتكلم عن مشاكله مع الجونيات الفاسدين وضغوطاتهم عليه ، وكذلك لا ننسى وزراء النقل حسين الصعوب وعلي مجاهد الذين رفضوا ضغوطات الجونيات وقدموا استقالاتهم طوعا وكرها . وكذلك أيضا دولة الدكتور عون الخصاونه الذي أراد ان يحل مشكلة إستخدام الولاية العامة وممارستها كحق له منحه إياه الدستور والقوانين ، وعدم الإنصياع للضغوطات الجونية من الحاشية المقربة للحكم .
وبما إن انكار وجود المشاكل رغم وجودها ورفض الاعتراف بها فإن هذه الحالة تدخلنا بمشاكل أخرى اكبر وأقوى إلى أن توصلنا الى مراحل لن نستطيع حلها إلا من خلال تقديم عدد كبير من التضحيات البشرية أو بدفع تكاليف مادية باهظة كان من الممكن ان لا ندفعها لو أننا قررنا ان نعترف بوجود المشكلة ونعمل على حلها.
ما حدث مع شوكت باشا أنه اعترف بوجود المشاكل أمام اللجنة المالية في مجلس النواب (الله لا يخسر ولا يكرره علينا) قبل إقراره لموازنة عام 2020 من اجل أن يجد الحلول لها ، وكانت المشاكل التي عرضها شوكت باشا لا تتعلق بالمهنية ولا بالقوى البشرية ولا بالانتماء والولاء وانما جلها كانت تحكي عن مشاكل مالية تنظيمية تؤثر سلبيا على ما تقدمه الخدمات الطبية الملكية للعاملين والمتقاعدين ولكل ابناء الوطن ، فعندما يعترف أن موازنة الخدمات لا تغطي رواتب العاملين ، وأن الإعفاءات الطبية والتحويلات التي تستقبلها الخدمات لا تسدد نفقاتها المالية المترتبة على الجهات حولت والتي التزمت بدفع نفقاتها ، وعندما يعترف الباشا أن هناك امتداد للخدمات الطبية بالمستشفيات الميدانية خارج الأردن وفي كثير من دول العالم وان هذا الامتداد لا يقابله أي تعويضات مالية ولا حتى أنه يتم تغطية نفقات الكلف المالية من الادوية و الخدمات الطبية المساندة وأنها كلها تكون من ميزانية الخدمات الطبية الأساسية ولتي تكون مخصصة إلى الداخل بالأردن.
لقد اعترف الباشا بالمشاكل التي يواجهها راغبا بإيجادحلول لها ، ولكن ويا للأسف لأن اعتراف الباشا في ذلك الوقت والذي شاهده كل الأردنيون واعجبوا به كان قد اعطاني شعورا قويا بأن الحل من الدولة الأردنية سيكون إحالة الباشا الى التقاعد وليس حل المشاكل التي طرحها .
وأنا اقول أن الشعب الأردني ليس عنده مشكلة مع الباشا شوكت التميمي ولكن مشكلتنا كانت مع ما قاله الباشا عن واقع الخدمات الطبية وعن كيفية حلها .
سامحنا يا باشا نحن في زمن وعرف انقلاب الموازين فمن يريد ان ينقذ ويسعف ويقلل الخسائر والضحايا ويساهم في رفعة الوطن وتقدمه يستغنى عن خدماته ، ومن يكون جونيا فاسدا ومقصرا ومهملا ويتسبب أيضأ بإهمالة وتقصيره الى خسائر وضحايا من الوطن يكافئ ويعاد تدويره بالمناصب العليا ويصبح وشما دائما على جبين الأردنيون بحيث لا يمكن مسحه .
الحمد لله على سلامتك يا النشمي شوكت باشا التميمي الأردني وتاكد ان الأردنيون لن ينسوك حتى وإن انقلبت الموازين وستبقى الباشا الطبيب الشجاع الذي اعترف بوجود المشاكل من اجل حلها وازعج الجونيات الفاسدين والمفسدين بجرأته وجسارته .