فادي السمردلي يكتب: المواطن الحلقة الأضعف في أزمة الفاقد الكهربائي
بقلم فادي زواد السمردلي .. ..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
الإجراءات المتخذة لتقليل الفاقد غير كافية، والمواطن يظل الضحية الأساسية في كل فاتورة
ففي كل مرة يفتح المواطن الأردني فاتورة الكهرباء، يشعر بثقل الرقم قبل أن يقرأ تفاصيل الاستهلاك. الغالبية تظن أن المبلغ يعكس فقط ما استهلكته من إنارة وتدفئة وأجهزة منزلية، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأشد قسوة فجزء غير قليل مما يدفعه المواطن يذهب لتغطية كلفة ما يُعرف بـ”الفاقد الكهربائي”… أي الكهرباء التي لم يستهلكها هو أصلًا، بل ضاعت في الشبكة أو سُرقت أو أُهدرت نتيجة ضعف الرقابة وسوء الإدارة.
الفاقد الكهربائي، كما تشرحه شركات التوزيع، ينقسم إلى فاقد فني ناتج عن قدم الشبكات وضعف البنية التحتية، وفاقد غير فني سببه الاعتداءات على الشبكة وسرقة الكهرباء والتلاعب بالعدادات فهذا التعريف يبدو تقنيًا ومحايدًا، لكن خلفه قصة اجتماعية واقتصادية غير عادلة فالمواطن الملتزم بالقانون هو من يدفع الثمن الأكبر.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود فاقد، فهذه ظاهرة موجودة في كل دول العالم بنسب متفاوتة، بل في الطريقة التي يتم فيها التعامل مع هذا الفاقد وتوزيع كلفته عمليًا، عندما تكون نسبة الفاقد مرتفعة، تقوم الجهات المنظمة بتحميل جزء من هذه الخسارة على التعرفة الكهربائية فأي أن الشركة تعوّض خسائرها من خلال رفع الأسعار أو تثبيتها عند مستويات مرتفعة، والنتيجة النهائية أن المواطن الذي لم يسرق ولم يعتدِ على الشبكة يدفع عن غيره.
هنا يظهر السؤال الأخلاقي قبل الاقتصادي لماذا يدفع الملتزم ثمن المخالف؟ ولماذا تتحول سرقة الكهرباء من جريمة فردية إلى عبىء جماعي؟ المواطن البسيط الذي يحسب استهلاكه، ويطفئ الأضواء الزائدة، ويتحمل كلفة التعرفة المرتفعة، يجد نفسه شريكًا قسريًا في تغطية خسائر سببها آخرون وهذا الواقع يولد شعورًا عميقًا بالظلم، ويقوّض الثقة بين المواطن والمؤسسات.
الأمر لا يتوقف عند المواطن فقط، بل يمتد إلى الخزينة العامة فعندما تتراكم خسائر شركات الكهرباء أو تتعثر ماليًا، تتدخل الدولة بطرق مختلفة دعم مباشر، إعادة جدولة ديون، أو قرارات تنظيمية تحمي الشركات من الخسارة وفي النهاية، الخزينة تُموّل من ضرائب المواطنين فأي أننا ندور في حلقة مغلقة: المواطن يدفع في الفاتورة، ويدفع في الضريبة، وفي الحالتين هو من يتحمل العبىء.
الأكثر إزعاجًا في هذه المعادلة هو الشعور بأن مكافحة الفاقد لا تُدار دائمًا بالجدية الكافية صحيح أن هناك حملات تفتيش وتركيب عدادات ذكية وتحديث للشبكات، لكن المواطن يرى على أرض الواقع أن الاعتداءات ما زالت قائمة في بعض المناطق، وأن تطبيق القانون أحيانًا يخضع لحسابات اجتماعية أو اعتبارات غير معلنة فحين يرى المواطن أن القانون لا يُطبق على الجميع بعدالة، تتضاعف مرارة الفاتورة.
المفارقة المؤلمة أن المواطن يُطلب منه دائمًا “ترشيد الاستهلاك” بوصفه الحل، بينما المشكلة الحقيقية ليست فقط في الاستهلاك المرتفع، بل في إدارة المنظومة ككل نعم الترشيد مهم، لكن لا يمكن أن يكون شماعة تُعلق عليها كل الإخفاقات فالمواطن يمكنه أن يخفف استخدام المكيف أو المدفأة، لكنه لا يستطيع أن يمنع سرقة الكهرباء من الحي المجاور، ولا يستطيع أن يغيّر شبكة مهترئة لم تُحدّث منذ سنوات.
القضية هنا ليست تقنية بحتة، بل قضية عدالة فالعدالة تقتضي أن يتحمل المخطئ كلفة خطئه، وأن تتحمل الشركات مسؤوليتها في تطوير شبكاتها وتقليل الفاقد، وأن تتحمل الجهات الرقابية دورها في فرض القانون دون استثناء أما أن يبقى المواطن الحلقة الأضعف التي تُحمّل كل الأعباء، فذلك يكرّس شعورًا عامًا بأن الالتزام لا يُكافأ، وأن الفوضى أقل كلفة من النظام.
في النهاية، الحديث عن الفاقد الكهربائي يجب ألا يبقى محصورًا في تقارير فنية وأرقام جافة فهو موضوع يمس جيب المواطن وكرامته وثقته بالدولة فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح الهدف الواضح هو حماية المواطن الملتزم، لا تحميله مزيدًا من الأعباء باسم التوازن المالي وعندها فقط يمكن لفاتورة الكهرباء أن تعكس الاستهلاك الحقيقي، لا أخطاء الآخرين.
الكاتب من الأردن