مذكرات على هامش الجلاء

سامر أبو سندي

عندما مرت بنا ذكرى الجلاء للجارة سوريا في السابع عشر من الشهر الجاري، جنحت بي الذاكرة نحو الخامس من نيسان من العام ٢٠١٠ حين كانت زيارتي الأخيرة لدمشق.

عشر سنوات خلت كانت فرقا بين الحبيب و الحبيبة.

و جدتني في زيارتي الأخيرة تلك أحاول الإمساك باللحظة، فقد اشتريت سلسلة من الكتب للكاتب المحامي الزميل هائل منيب اليوسفي، و كتبت على الصفحة الأولى من كل كتاب تاريخ الخامس من نيسان و تحته كلمة دمشق، و كأن هاتفا بداخلي يقول لي ان أمسك بلحظة اللقاء تلك لأنني لا أعرف متى سيكون اللقاء التالي مع محبوبتي دمشق.

إن منظر نهر بردى و هو يشق المدينة من المنتصف كان مما يشدني، و كان باب شرقي هو مهوى فؤادي فمنذ العام ٢٠٠٣ كنت أداوم على زيارته و كنت أبيت في غرفة داخل بيت عربي فسيح يقع على مقربة من الكنيسة الواقعة داخل السور من جهة القنطرة.

الممييز في ذاك التاريخ أن البلدية قد انتهت آنذاك من أعمال الصيانة للبنية التحتية لباب شرقي و قامت بتوحيد واجهات المتاجر و الأرصفة، كما تم رصف الشوارع بالبلاط المتراص، فازداد جمال البلدة القديمة جمالا و تألقا و تنظيما.

السواح الأجانب كانوا في كل مكان يتمتعون بربيع دمشق الدافيء و الأطعمة و الأشربة اللذيذة.

لا أخفي و جود تشابه بين دمشق و القدس المحتلة من حيث الحجر و الأسوار و الكنائس المعانقة للمساجد، و وحدة الطراز المعماري.

دمشق كما هو حال القدس على مر العصور كانت مطمعا للغزاة.

في دمشق كان ينتابني شعور الشاعر تميم البرغوثي حين أنشد:

في القدس لو صافحت شيخا او لامست بناية وجدت منقوشا على يديك نص قصيدة يا ابن الكرام او اثنتين.

رائحة التوابل في سوق الحميدية تشبه رائحة خان الزيت.

على الصعيد الثقافي كنت و ما زلت من أشد المتابعين للدراما السورية التي تمتاز بالعفوية و ملامسة هموم المواطن العربي و رجل الشارع، معظم ابطالها من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، كنت اتابع آنذاك مسلسل ملح الحياة الذي شكل بالنسبة لي قفزة في الدراما السورية التاريخية التي تناولت التاريخ الحديث و بخاصة الوحدة بين القطرين السوري و المصري تحت قيادة الرئيس الخالد جمال عبد الناصر.

و أنت في حضن دمشق لا تملك سوى أن تتنفس العروبة و الإباء و الشمم، كيف لا و انت في قلب العروبة النابض.

كل من دخلها و بهره جمالها يعرف كم بذلت من أجل حريتها تضحيات، فينشد امير الشعراء في دمشق:

سلام من صبا بردى ارق

و دمع لا يكفكف يا دمشق

و معذرة اليراعة و القوافي

جلال الرزء عن وصف يدق

و للحرية الحمراء باب

 بكل يد مضرجة يدق

أما في العام ٢٠١٦ فقد كان لقائي مع دمشق دراميا أيضا بعد أن (( أضحى التنائي بديلا عن تدانينا))، فكان لقائي بدمشق من خلال مسلسل الندم الذي ألفه الكاتب المبدع حسن سامي يوسف المولود في طبريا عام١٩٤٥ في الوطن الفلسطيني المحتل، و أخرجه المخرج المبدع الليث حجو.

لقد أوصل لي هذا المسلسل المأخوذ عن رواية حسن سامي يوسف المسماة عتبة الألم، أوصل لي آلام دمشق حيث عكس من خلال أداء ابطاله: سلوم حداد، سمر سامي، باسم ياخور، و محمود نصر تغيير المجتمع زمن الحرب و المخاضات الإنسانية التي تمر بها النفس البشرية في ظل الأزمات، بالأضافة لتوثيقه بعدسة المخرج للخراب  و المؤامرة التي حلت بدمشق.

كانت شارة البداية و النهاية للمسلسل مترعة بالمشاعر التي يختلط بها الحزن مع الشجن بألحان الموسيقي البارع إياد الريماوي.

عشر سنوات مرت على فراقنا يا دمشق و لسان حالي هو بيت الجواهري:

فخرا دمشق تقاسمنا مراهقة

و اليوم نقتسم الآلام و الرهقا

لكنني أظن أن اللقاء بات قريبا و جلق الشام في منتهى الألق و قد تجاوزت عتبة الألم.

محام و روائي و سيناريست و ناقد ادبي.

عضو جمعية مناهضة الصهيونية و العنصرية.

عمان- الأردن

قد يعجبك ايضا