الشاعرة غزوه حاطوم (عصفورة الجبل)

وهج 24 : كانت تجربتي الأولى مع شعر الشاعرة الشابة غزوة حاطوم عبر الفيسبوك حيث شاهدتها شخصيا تنشد شيئا من قصائدها و كان كل حرف في القصيدة بأخذ نصينه من اهتمامها و مشاعرها عند النطق به فوصلني الشعور بكل سهولة.

الشاعرة غزوة هي بنت بيئتها الجبلية الجميلة في اللاذقية حيث يطل الجبل من عباءته الخضراء على البحر الابيض المتوسط ذي المياه الفيروزية.
ان الشاعرة غزوة هي مزمار في زمن الشدة و هي ضوء الأمل في ليلنا حالك الظلمة. برغم كل الظروف التي تمر بها منطقتنا العربية.
و في حديث جمعني بها عبر وسائل التواصل الإجتماعي لتعذر ملاقاتها في اللاذقية و لصعوبة قدومها العاصمة الأردنية عمان تجاذبنا أطراف الحديث الأدبي و الشعري الشيق فوجدتها متأثرة بكبار الشعراء قديما المتنبي و ابي تمام و حديثا بالشاعرين الكبيرين نزار قباني و بدر شاكر السياب و لا ننسى استاذها الاول والدها جميل الحاطوم و جدها الذي كان ينظم الشعر و قد شجعاها على ذلك.
تم تكريمها بالدكتوراة الفخرية في المملكة المغربية و ذلك في صيف العام ٢٠١٩ و لها انتشارها على امتداد الساحة العربية.
لشاعرتنا ديوان مطبوع بعنوان شغاف و ديوان آخر قيد الطبع باسم “عشق”.
يتناول شعرها و بأسلوب شفاف مواضيع هامة مثل : الشوق، الحب، الغزل، مواضيع اجتماعية، الفقر، المرأة، مواضيع وطنية مثل الشهادة.
ليس لديها طقوس محدودة للكتابة فهي أحيانا تكتب كثيرا و أحيانا يفارقها شيطان القصيدة لفترة طويلة، لكن اذا حام شيطان القصيدة حولها فإنه يفقدها النوم. فتفيض شعرا بكل ذرة من شاعرها.
تحب من المطربين نجاة الصغيرة و فريد الاطرش.
: و اليكم مجموعة من قصائدها

قصيدة أعرفتني
أعرفتني انظر إلي بتمعن
أنا من احببتك دهراوأنكرتني
صليت في محرابي
ومن بعد اليقين جحدتني
وعادتني على المحبة والوفا
فهيهات أن القى ماوعدتني
تدانيت لك فظننتي هنت
لسواك قبلا فأهنتني
لظى يمزق القلب والحشا
وعزيز الدمع أذقتني
حسبت أنك جنتي
وبمحرق الجمر احرقتني
ناشدتني فأجبتك ورمتني
وبعد التمتع بانصراف كلتني
أما كان عهدك بالوفا
فخنت العهد وخنتني
أهديتك لهف قصائدي
وجهرا لعنتني
تعبت فيك مدامعي
وبالحب قد كفرتني
ماكنت إلا عثرة وضلالة
ألا ليتك ماعرفتني

شقي حيكم
ألا ليتني شقي حيكم
أراك كلمامررت في الطرق
أحن إلى هفوف انت تلبسه
وجسمي مغطى بالخزوالخرق
ألا ليتهم يقولون جن الفتى
فتسقط عني جنة العقل والقلق
وكلما رماني الحنين بسهم
طرقت بابك بلا خجل من الطرق
فإن لاح وجهك الخمري قبلته
وعوذته بالمعوذتين والفلق
أتنكرني ولي فيك حصة
بين الحنايا وهدأة الحدق
وما التواء ضلوعك إلا
بضعة مني
ذاك مكاني وبقية رمقي
لك الله

قالوا صفه قلت حاشا
حتى عيوبه فتنة تغري
هو الخيال وماتجلى
لعين تبصر أو مرفي الفكر
إن رآه الحسن قال
حسنه مرآة لسطوة السحر
لا أصفه فيشقى به
سامع همسا أناجيه في سري
أخشى على العشاق هجرا
أخشى على الزهاد من الكفر
اني أراه في مرآة قلبي
حاكم الروح والهوى عذري
هو القرب هو البعد والسكر
هو النار ونفحة العطر
ياعيونا إن تبدت ضراما
فما اقول في العنق والصدر
وما أقول في لطيف همس
كهسيس النار يوقد جمري
إن فكري لايروم جموحا
انقصته قدره وخانني شعري
اراده الله لقلبي نعيما
آمنت به وأطعته قدري
كفوا كفاكم تلحون ماله وصف
فوالله ماهو من طينة البشر

و قد كانت قصائد الشاعرة غزوة حاطوم موضوعًا لكثير من الدراسات النقدية و اهمها الدراسة التي قام بها الناقد و الاكاديمي الدكتور أحمد بدير على صفحات مجلة ملتقى الشعراء و الأدباء الصادؤة في مصر تحت عنوان : التدرج و اثره في جلاء المعنى في ومضة (عدني).
حيث جاء في هذه الدراسة :
تقول الومضة :
عدني قبل فراقنا
قبل ان تبعدك الخطى عني
إن أتيتك يومًا نادمًأ
أرجوك رجوعًأ أن لا ترجعني
إن رجوتك أن تسمعني
أن تصم الأذن عني
إن التقينا يومًا صدفة ً
واتيتك مصافحًا أن تمنعني
أخاف أن يخذلني حنيني
و تهرب دمعتي مني
1.البداية بكلمة (عدني) و التي اولها حرف (العين) و هو حرفٌ يخرج من اقصى الحلق و به بدأ الخليل بن أحمد الفراهيدي معجمه ليبدأ من اقصى الحلق حتى يصل الى الشفتين فيبدأ ب ( العين) و ينتهي ب( الباء).
و المبدعة قد أحسنت اختيارها لحرف العين كبداية لومضتها فهي تريد من البداية أن تؤكد على البعد و الفراق في تخرج كلماتها من أقصى الحلق لتبيين أن الكلام يتفق مع القلب الذي لم يبعد كثيراً عن أقصى الحلق بل و يتفق مع العقل أيضاً ليوصح بكل جلاء أن ثلاثتهم قد أخدواالقرار………
2. اختيار المبدعة قافية ومضتها حرف (الياء المد) والتي جعلتها أيضاً نهاية كلمة العنوان يدل دلالة قاطعة شدة انكسارها و حزنها و ألمها يتضح ذلك بجلاء في مجيء الياء مدة لكسرة الحرف الذي قبلها ففيها اشباع للكسر يوحي بكسر الخاطر و دمار القلب و هما من أشد أنواع الأذى النفسي الذي يمكن أن يحدث لأي امرأة فما بالنا ان كان ما يحدث من شخص قريب بل كان في نظرها أقرب من كل قريب.
3. حين قررت الابتعاد أخذت جميع الاحتياطات اللازمة حتى يكون قرارها لا رجهة فيه رغم كل الحب الذي عايشته بدليل قولها…. ان أتيتك يوماً نادماً…
فاستعمالها ل (ان) التي تدل على الشك يدل على أنها تشك في أنها ستندم يوماً على طلبها منه أن يتركها و تأتي له تطلب منه العفو و الصفح و كررت (ان) …….
في أسطر متلاحقة….
إن رجوتك أن تسمعني
إن التقينا يوماً صدفةً
فهي تشك شكاً يصل إلى درجة اليقين أن هذا لن يحدث منها أبداً
فهي لن تطلب منه أن بسمعها و لن تلتقيه صدفة ……
لأنها حين قررت الإبتعاد كان عقلها هو المتحكم لذا سدت من خلال سيطرة هذا العقل عليها كل المنافذ التي قد تؤدي إلى العودة يوماً ما.
4. تكرار المبدعة ل (عدني) أربعة مرات في الومضة يدل على إلحاحها الشديد على طلب الفراق و قطع كل الأواصر بينها و بين هذا الشخص…
و لوعيها الشديد تدرجت في طلبها ……
فبدأت بقولها…..
إن رجوتك رجوعاً لا ترجعني….
ثم ارتفعت درجة في طلبها فخاطبته بقولها….
أن لا تترك منك أملاً يسكنني
فإن طال الأمد و نظرت إاليه نظرة شوق فلا يهتم لهذه النظرة….
ثم تغلق الباب نهائياً عليه فتطلب منه أن يكون جسوراً في غيابها.
و بعد كل طلب ذكرت التعليل المناسب له .
طريقة مبتكرة للفراق استطاعت المبدعة أن تصوغها بكل اتقان…..
و كمن خلالها استطاعت أن توصل رسالتها له و لأمثالها ممن يتمسكون بالعادات التي ترى الجسد رمزاً للعفة.
و تبقى قصائد الشاعرة غزوة حاطوم رمزاً للحداثة و التحرر و العصرنة.
سامر أبو شندي
محام و روائي و ناقد أدبي
عضو جمعية مناهضة الصهيونية و العنصرية
عمان-الاردن

 

قد يعجبك ايضا