ثورة الامام الخمیني.. نقد الذات (3-1)

ثورة الامام الخمیني.. نقد الذات (1)

الثورة الاسلامیة في ایران التي قادها الامام الراحل روح الله الموسوي الخمیني (رضوان الله علیه) لم تکن ثورة سیاسیة في منطلقاتها وغایاتها، بالمعنی المتداول في العلوم السیاسیة، بل کانت تغییرا یؤسس لرؤیة جدیدة للانسان والدین ودورهما في الحیاة.. فكانت الحوزة المكان والحاضنة التي انطلقت منها شرارة الثورة وجزء أساسي من الصراع في عملية التغيير التي قادتها.
ومن هذا المنطلق، اختزل الامام (رض) في تحرکه الکثیر من المفاهیم العرفانیة ـ الاسلامیة التي ابتعدت الحیاة الدینیة عنها خلال السنوات التي تلت السیطرة الاستعماریة (البریطانیة ـ الفرنسیة ـ الامیرکیة) لشرقنا الاسلامي، ونفذت بعض مفاهیمها وتصوراتها في مؤسساتنا الدینیة بشکل مباشر او غیر مباشر.
ومع ان المستعمر فشل في اختراق مؤسسة المرجعية الشيعية، كما حصل مع الأخوة السنة، حيث استطاع المستعمرون ان يوجدوا مرجعيات دينية مزيفة (كما هو الحال في الاسلام الوهابي الذي تدعو اليه السعودية والذي سماه الامام الخميني بالاسلام الاميركي)، لكن تأثيراته امتدت الى مؤسساتنا تحت عناوين علمية وتقدسية، ولايزال يسعى الى خلق تشيع مزيف على غرار التسنن المزيف (الوهابي).
هذه الظاهرة التي عانت منها حواضرنا العلمية والتي لايزال بعضها يئنّ من وطأتها، تجلت في:
1. الابتعاد عن الحياة الاجتماعية وحصر مهمة عالم الدين في بيان (مطلق) للحلال والحرام على مستوى العبادات والمعاملات الفردية.
2. تشكيل طبقة اجتماعية لها مواصفات محددة متعالية على المجتمع (تسميه العوام) وترتبط بعلاقات محددة ببعض شرائحه المدرّة ماليا وخاصة التجار والمزارعين!
3. ضمور في احكام العبادات ذات الطابع الجماهيري، حتى غابت ـ على سبيل المثال ـ صلاة الجمعة عن المدن والحواضر العلمية الشيعية ولا ترى الا نوادر من الفقهاء من يفتي بوجوبها!
4. تحريم العمل السياسي وجعله من المنكرات واتهام كل من يمارسه ويدعو اليه من بين طلبة العلوم الدينية، والامثلة كثيرة وتشمل جميع حواضرنا العلمية، هذا في حين انه ولوقت قريب كان علماؤنا وفقهاؤنا في مقدمة جيوش الجهاد دفاعا عن البلاد بوجه المستعمرين والغزاة، كما كانوا طلائع المناضلين في وجه الطواغيت والمستبدين وحكام الجور.. كان اقتناء مذياع او قراءة جريدة او لبس ساعة يد وحتى حذاء عادي (غير المداس) يعتبر جريمة تعاقب عليها المدارس الدينية.. في عملية استغراق غير طبيعية في موروث غير مقدس ولا شرعي يتنافى مع العقل!
5. ولعل المشكلة الاساسية التي واجهتها حواضرنا العلمية، كانت في المناهج التي ابتعدت عن اغلب العلوم السابقة واصبحت مقتصرة على الفقه واصوله، باعتبارهما العلمان الاساسيان المفضيان الى الاجتهاد، هدف الدراسة الدينية، دون التفكير بمدى تحقق ذلك (فليس كل من درس الفقه والاصول نال الاجتهاد، والمجتهدون تقل نسبتهم عن 0.1% في افضل الاحوال) وبالتالي كان هناك جيش من العاطلين الذين لا يحسنون الا حضور الدرس ولو امتد الى نصف قرن!
والمشكلة كانت.. اولا: ان تغييب العلوم الاخرى، مثل التفسير والفلسفة والكلام والحكمة حدّ من رؤية الفقيه وجامعيته المعرفية، وثانياً: اصبح الاجتهاد تكرار مكررات وترجيح آراء، فتراجع حجم القضايا المستحدثة والمسائل الاجتماعية فيه واضحت الرسائل العملية تشابه بعضها بنسب تصل الى 97%، بينما الكثير مما يواجهه المجتمع معطل النظر فيه على يد “فقهاء الحيض والنفاس” والتعبير للامام المجدد روح الله الموسوي الخميني (رض).
وهنا تكمن القيمة الاساسية لثورة روح الله (رض).. كانت استنهاضا للقيم الاسلامية الحقيقية وللاسلام المحمدي الاصيل الذي يرفع شعار “سياستنا عين ديانتنا وديانتنا عين سياستنا” (هذا الشعار هو في الحقيقة مقولة لآية الله الشهيد حسن مدرس، احد نواب المجلس الوطني الايراني (البرلمان) والذي قتله الشاه البهلوي الاول سنة 1937) حتى لو كان في السياسة اغلبية فاسدة، وحتى لو كان بين رجال الدين عصبة متاجرة، فهي من سنخ “ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”..
قيمة الثورة الاسلامية لم تكن في النتائج التي تركتها على أرض الواقع والتغييرات التي جاءت بها على صعيد السياسة والاقتصاد والثقافة.. وهي كثيرة وغير قليلة، للحد الذي عبر عنها المقبور “موشيه دايان” منذ اللحظة الاولى بانها زلزال اصاب المنطقة والعالم وقد وصلت آثاره “اسرائيل”.
اعود الى ان قيمة الثورة الاسلامية لم تكن فقط فيما حققته لاحقا في العراق ولبنان وفلسطين واليمن والبحرين وافغانستان.. بل في صناعة الفكرة والعودة الى الوعي واسترجاع الدور المفقود ووضع الاشياء في محلها…
لم تكن هذه المهمة سهلة، فرغم ان الثورة من حيث البناء الفكري تنتمي الى الدين وقيادتها ورموزها من صميم المؤسسة الدينية وعمقها، وان ما تدعو اليه يتصل بنسب قريب الى السلف الصالح من المجاهدين ضد روسيا القيصيرية في مطلع القرن التاسع عشر كالميرزا مجتهد، ومواجهة الاستبداد في اواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين فيما عرف بنهضة التنباك التي فجرها الميرزا الشيرازي الكبير سنة 1897 وثورة المشروطة التي دعمها اكثر من مرجع وفقيه عام 1906 وفي مقدمتهم الشيخ الملا كاظم الخراساني والسيد محمد الطباطبائي، الى مقاتلة المستعمرين الغزاة البريطانيين في الشعيبة والكوت خلال الحرب العالمية الاولى (1914 ـ 1918) وما تلاها من ثورتي النجف 1919 والعشرين سنة 1920 بزعامة المرجع محمد تقي الشيرازي.. حتى ثورة الغابة في شمال ايران وحركة تأميم النفط (بقيادة مصدق ـ كاشاني).. الا انها كانت مهمة شاقة وصعبة (ولا تزال!) بسبب هيمنة منهجية “التفكيك” على الحوزة، ليس في المجال المعرفي فقط، بل على الصعيد الاجتماعي!
اكثر من ذلك تحول بعض علماء و”فضلاء” الحوزة الى اعداء لهذا النوع من التحرك، حتى اعتى واعنف من السلطة المستبدة، لانه حسب رأيهم شق لوحدة الحوزة وتماسكها (دون ان نفهم مفاعيل هذا التماسك ولاجل اي شئ؟!) بالضبط كما اتهم الامام الحسين (ع) من قبل بشق صفوف الأمة وعدم طاعته للطاغية يزيد.. لكن هذه المرة ولصعوبة المصارحة باسم الطاغية البهلوي (رغم ان بعضهم كان يعتبر الشاه سندا للتشيع واتهم الامام الخميني بانه اصبح اداة بيد الشيوعية!) كان يجري التستر على ذلك بالعلمية والموضوعية!
لازلت اذكر حوارا على الهواء مباشرة في قناة سحر العربية سنة 2003 مع أحد هؤلاء، كان يعتبر نظرية ولاية الفقيه والاسلام السياسي الذي تتحدث به (وكلام موجه لي) وما طرحه (الامام الشهيد) محمد باقر الصدر وامثاله مجرد كلام جرائد!
لكن ما جاء به الامام الخميني (رض) على المستوى الديني وفي رؤيته لدور المؤسسة الدينية وعلماء الدين، كان هو الثورة الحقيقية، والتي اعتقد انها لازالت مستمرة.. وفق منهجية عرفانية تقوم على الانطلاق في عملية التغيير من الذات (الحقيقية والمؤسساتية) قبل مخاطبة الآخرين بها.. وقد خدمته الظروف او هو استطاع بتوفيق من الباري عزّ وجلّ جزاء لاخلاصه وبصيرته ان يحولها الى فرصة يستفيد منها في التقدم بمشروعه التغييري الرباني.. فكانت عملية نفيه الى خارج ايران وانتقاله من تركيا الى النجف الاشرف محطة اساسية لخلق معادلة جديدة في الوسط الديني، حيث جعلته سنوات المنفى بعيدا عن سطوة التقليديين في الحوزتين القميّة والنجفية، فهو خارج قم جسديا ولا يمثل الحوزة النجفية روحا، وان كان يتحرك في كليهما!
شكل لبنات مشروعه وربى واستقطب اعمدة تحركه في ايران والعالم الاسلامي خلال تلك الفترة من عمر الثورة، والتي تحتاج الى دراسات وافية لتسليط الضوء على تأثيرها في نهضة الامام (رض) ومستقبل الاسلام في المنطقة والعالم..
نعم، كان صدام الثورة الاسلامية مع المشروع الغربي وواجهته الطاغية البهلوي واميركا واذنابها، لكن المعركة الحقيقية كانت في الداخل مع الذات والنفس الدينية.. والتي لاتزال مستعرة بين نموذجين: احدهما حيّ، منتج، يقدم رؤية في الحياة والحضارة، وآخر غنوصي، تراجيدي، غير منتج، لا يقدم رؤية في العيش الانساني المشترك، لكنه يتعايش مع كل النظم السياسية على اختلاف اتجاهاتها الفكرية والسياسية ودرجة ديمقراطيتها واستبدادها!…(يتبع)

ثورة الامام الخميني.. نقد الذات (2)

عندما انطلقت شرارة الثورة الاسلامية في سنة 1963، كانت المؤسسة الحوزوية مقسمة بين حاضرتين مهمتين، هما: النجف الاشرف وقم المقدسة، الى جانب حواضر علمية اخرى لا ترقى الى النجف وقم.. منتشرة بانتشار الجغرافيا الشيعية.
وبغض النظر عن بعض التأثيرات التي تركتها حوزة مشهد المقدسة على مسار الفكر الديني (سلبا او ايجاباً) الا ان كلمة الفصل كانت لحاضرتي النجف الاشرف وقم المقدسة.. فبعد وفاة المرجع السيد حسين البروجردي (رحمه الله) عام 1960 والانتكاسات المتكررة التي مني بها التحرك الاسلامي في ايران، من تغريب الحركة الدستورية وظهور الحكم الدكتاتوري البهلوي كأحد ثمارها، الى ضرب حركة تأميم النفط، حتى قمع واعدام حركة فدائيو الاسلام.. ومحاولة الشاه (محمد رضا) ابعاد الزعامة الدينية من قم الى النجف الاشرف من خلال الابراق الى المرجع السيد محسن الحكيم (رحمه الله) معزياً بوفاة السيد البروجردي.. عاشت الحوزة العلمية في قم المقدسة حالة من اللامركزية وتعدد الاقطاب فيها، بين من يمثلون الاتجاه التقليدي بشتى اطيافه وبين من استعادوا مجد الحوزة بالمشاركة في الحياة الاجتماعية ومواجهة السلطة وانحرافاتها وهؤلاء كانوا قلّة..
كانت الحوزة القميّة آنذاك مقسمة الى:
1. التيار التقليدي العام، الذي يشابه في اتجاهاته العلمية والمنهجية والاجتماعية وفي منطقه تيار النجف الاشرف من حيث فصل الدين عن السياسة، فصل المعرفة الدينية عن العلوم الفلسفية والتفسير والكلام واقتصارها على الفقه والاصول، عدم مواجهة السلطة تحت يافطة ضرورة المحافظة على الكيان الحوزوي وطبقة رجال الدين وليس المجتمع الاسلامي و…الخ.
2. التيار التقليدي المتطرف، وهؤلاء حولوا الكفاح الديني من مهمة بناء الانسان والمجتمع والحياة الى صراع ومعركة مع الآخرين (المسلمين) تحت عناوين طائفية مستخدمين في ذلك كل الاساليب غير العقلانية في حشد العاطفة الدينية ومشاعر الحب لأهل البيت (ع).. حتی ان بعضهم انساق الی افكار غریبة ومحاربة كل تحرك یرید استعادة الواقع الاسلامي، تحت شعار ” التمهید لظهور الامام المنتظر ( عج ) ” من خلال ترك الفساد ینتشر، بل یقولون ان اي دولة او جماعة ترفع رایة الاسلام قبل ظهور الامام الحجة هي رایة باطل.. لانها تتعارض مع مبدأ امتلاء الارض بالظلم والجور!!

وهنا یظهر تأثیر المدرسة المشهدیة التي انشرت الیه من قبل.. فالمدینة المقدسة كانت واحدة من اهم حواضن هذا الفكر ولا تزال بعض خیوطه موجودة فیها…
والحقیقة ان هذا التیار الذي كان یتمترس بالتیار الاول ویعیش تحت عباءته، كما یعشعش التیار الشیرازي الیوم تحت عباءة بعض المرجعیات التقلیدیة ویستغل سكوتها عن انحرافاته.. كان رأس الحربة في مواجهة التیار الثوري، خاصة وان موقفه لم یكن یقتصر علی مناهضة الرؤیة المجتمعیة والحركیة للتیار الثوري، بل تمیل الی الصدام المعرفي معه.. فهؤلاء التقلیدیون المتطرفون اصولیون فقهیا لكنهم اخباریون عقدیا، هذا اولا، ثانیا معارضون بشدة للفلسفة والتفسیر والعرفان (وهنا ایضا یظهر تاثیر المدرسة التفكیكیة في مشهد المقدسة)، بل كانوا یستخدمون هذا الاتجاه المعرفي لضرب قیادة الثورة.. وقد تحدث الامام الخميني (رض) عن اسالیبهم في محاربته في “منشور روحانيت” بوضوح وصراحة.. ولا یزال كثیر من هؤلاء یعتبرون من یدرس الفلسفة والعرفان زندیق نجس یجب ان یطهر الاناء الذي یاكل ویشرب به!!
نعم هذا التیار ومن اجل ان یعوض شلله واعاقته العلمیة وعدم امتلاكه ما يقدمه لحياة الناس والمجتمع والمشاركة في ركب الحضارة الانسانية، لابُدّ ان یلجأ الی تحریك الغرائز والمشاعر ولا یهم في ذلك ما هي الاسالیب التي یتبعها في عملیة الحشد والتعبئة.. واساسها وقوائمها الخرافة والشعائر المبتدعة والتخویف بالعذاب الالهي والخروج من الرحمة الالهية، حتى اضحى مؤخرا “من لا يتطبر يدخل النار”!!.. بالضبط عكس التیار الثوري (العقلاني) الذي یركز علی الحياة والحب والقرب والرحمة كمفاهیم اساسیة في بناء الشخصیة الدینیة والمجتمع الدیني…
والمعركة الحقیقیة والشرسة التي خاضها الامام الخمیني (رض) كانت مع هؤلاء، سواء قبل انتصار الثورة او بعدها.
3. التیار الثوري، الذي یحمل ارث المواقف والرؤی الجهادیة لائمة اهل البیت (ع) والعلماء الذین وقفوا امام الاستبداد والطغیان والاستعمار.. هذا التیار الذي بدأ قلیلا لكنه قویا، شرسا، مقاتلا امام جبروت الطغیان وخضوع بعض المتدینیین.. قدم وبذل الكثير من اجل دينه وعقيدته.
والحقیقة ان عملیة الاحیاء والبعث لهذا التیار كان ثمرة مرجعیة وقیادة الامام الخمیني (رض) رجل الفقه والفقاهة والاصول والفلسفة والعرفان والاخلاق والتفسیر.. ورجل اعادة فریضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن لیس بالقتل وسفك الدماء، بل في اقامة الحكومة الاسلامیة التي هي الوسیلة الاساسیة في نقل الخلق من تراب الناسوت الی عبق وانوار الملكوت.. رحلة من خلق الی الحق لیست سهلة وتحتاج الی منظومة متكاملة معرفیة واجتماعیة وسیاسیة لا تقوی علیها مؤسسة الا بحجم الدولة…
هذا في قم.. اما النجف الاشرف فلم یكن الوضع فیها یختلف كثیرا، بالعكس كانت الزعامة التقلیدیة موحدة واكثر سطوة واكثر نفوذا ومالا.. وكان التیار الثوري في الزاویة الحرجة محاصرا بین التقلیدیین من جهة والتيارات العلمانية والسلطة السیاسیة من جهة أخرى.. خاصة بعد وفاة المرجع السید محسن الحكیم (رحمه الله) الذي یتمیز عن علماء المدرسة التقلیدیة بتحركه الاجتماعي والذي استطاعت الحركة الاسلامیة في العراق الاستفادة من مرجعیته وتحركه فكان غطاءا للكثير من نشاطاتها، لكن ما بعد حقبة السید الحكیم واجه التحرك الاسلامي في العراق ضغوطا جمّة انتهت باعدام قائد التحرك الاسلامي، المرجع الشهید الامام محمد باقر الصدر (رضوان الله علیه)، وخيرة ابناء العراق، علی مرأی ومسمع من الحوزة والمرجعیة التقلیدیة!
ویبدو ان الصراع بین التیار الثوري في الحوزة العلمیة والتیار التقلیدي وخاصة المتطرف (الخرافي) منه لن ینتهي في زمن یحاول الغربیون واذنابهم فیه القضاء علی صوت الاعتدال والوسطیة في خطابات الاسلامیین والدفع نحو المواجهة الطائفیة تحت عناوین ویافطات مقدسة وبراقة ومخادعة، كالتوحید ومحاربة الشرك والبدع والدفاع عن اهل البیت (ع).. من اجل تفتیت الامة وتركها تتقاتل فیما بینها للقضاء علیها برمتها وبكل مذاهبها وفرقها وتیاراتها..
ان الغرب المتصهين يرى ضرورة افشال المشاریع التي تهدد مصالحه الاستعمارية وسياساته السلطوية وتقاومها، من خلال الضد النوعي الذي يختلقه او يدعمه او (يطوره) كالقاعدیة والداعشیة التي تعتبر آخر نتاجات الفكر الوهابي السلفي السني، والحجتية والطقوسیة التي هي آخر ما توصل الیه التیار التقلیدي الخرافي الشیعي.. وقبل ذلك قیل، “لا تشیع صفوي بدون تسنن اموي”.. والعكس صحیح ایضا. (یتبع)

ثورة الامام الخمیني.. نقد الذات (3)

استكمالا للمشهد الذي طرحته خلال القسمین الماضیین، أود هنا اتمام الصورة بما یجري في ایران وحواضر التشیع الاخری حالیا.. وما یُنفخ فیها من محاولات فصل وخلق عداوات ومواقف بین زعماء الحوزة العلمیة وايجاد تيارات واتجاهات غير عقلانية تستغل العاطفة لأهداف أقل ما يقال عنها أنها مشبوهة.
بهذا الواقع قامت الثورة الاسلامیة في ایران والتي ایدها أغلب مراجع الدین الكبار في ايران كالسيد الكلبايكاني والسيد المرعشي النجفي والشيخ الاراكي والسيد عبدالله الشيرازي (رضوان الله عليهم) كما حظيت بتأييد علماء الاسلام في العالم سنة وشیعة.. الا الاتجاه الوهابي التكفيري ومن ارتبط به بالطبع فهؤلاء كان لهم موقف من الثورة والاسلام والتشيع لان آل سعود شركاء نظام الشاه في التبعية لاميركا اعلنوا عن دعمهم لنظام الشاه في مواجهة الثورة والشعب وقيادته، رغم ان التایید لا یعني بالضرورة القبول بكل القیم التي جاءت بها الثورة او الشعارات التي رفعتها..
وباستثناء التیار الثوري ومن انضم الیه بفعل امتدادات الثورة وعملیة الدفع التي نتجت عن الصحوة الاسلامیة، فان التیار التقلیدي انقسم لاحقا وبعد الافاقة من صدمة الحدث الی فریقین.. غالبیة مؤیدة في الخطوط العامة متحفظة علی بعض خصوصیات الثورة، وهذه الاغلبیة استفادت من الثورة كثیرا وافادتها في الوقت ذاته فلم تمنع المرجعيات مقلديها واتباعها من الانخراط في انشطة الثورة ومشاريعها.. واقلیة اصطدمت بالثورة سریعا لاسباب شخصیة او سیاسیة، فالبعض ـ ولا نرید ان نذكر اسماء ـ وحسدا من اقبال الناس علی مرجعیة الامام الخمیني (رض) وخوفا من ان تقلّ عوائد الاموال الشرعیة التي تصل الیه، بلغ مرحلة التآمر والسعي للانقلاب علی قیادتها (كما كشفت عن ذلك مؤامرة انقلاب قاعدة “نوجه” في همدان) وكان من حق الحكومة الاسلامية ان تصدر بحقه اقسى الاحكام واشدها كما هو مبرر شرعا وعقلا ومنطقا، لكنها اكتفت بالحد من نشاطه وعدم السماح له ببث سمومه، .. وآخرون بدأوا بالمطالبة في مشاركة قیادة الثورة في قراراتها، لانهم يقولون بشورى القيادة، ولانهم فشلوا في اختراق الثورة في قمة الهرم رغم كل الامكانيات التي حصلوا عليها من الجمهورية الاسلامية!!
وبعد ان فشلوا في تحقیق ذلك.. اعتمدوا سیاسة “الحرب المقدسة” والعمل على تقویض مفاهیم ومبادئ الثورة، فالتقريب والوحدة الاسلامیة یحاربان من خلال “اسبوع البراءة” وبدعة “فرحة الزهراء” والاساءة المتعمدة الى رموز المسلمين السنة.. واخیرا مفهوم “العمامة النسائیة!”..
وكانت الشعائر المبتدعة أهم وسیلة للمواجهة، واصبح منع التطبیر (عفوا الادماء المقدس) و”التطیین المقدس” و”التجمر المقدس” و”التقفل المقدس” من قبل الجمهورية الاسلامية بجانب دعوتها للتقریب والوحدة بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم وفرقهم دلیلا علی انحراف الثورة عقائدیا.. واصبحت قيادتها “عمامة نسائیة” لا تعرف قدر مذهبها وائمتها!!
التقلیدیون “الاكثر متانة!” بقوا متمسكین بالفصل بین العلوم العقلیة والنقلیة ولا یزالون عند رأیهم بأن دراسة وتدریس كتب ابن عربي و صدر المتألهین الشیرازي والحلاج وغيرهم من مشايخ العرفان والحكمة.. زندقة وخروج عن الدین ونجاسة!! حتی لو كان الامام الخمیني (رض) علی رأس هذه القائمة، بل العكس هي فرصة لضرب تحركه والاسلام السیاسي الذي جاء به!!
استطاع الامام الخمیني (رض) فرض هیمنته علی قم وامتد نفوذه الی حواضر أخرى ومنها النجف الاشرف التي حاصرها التیار الثوري من كل جانب وضغط علیها من داخلها.. وبعد رحیله (رض) وانتقال القیادة الی سماحة آیة الله السید الخامنئي (حفظه الله) وفي ظل اجواء الانفتاح ونهایة الحرب المفروضة وحكومة الاعمار، بدأت الحوزة المحسوبة علی التیار الثوري بمشاریع علمیة ضخمة خارج نطاق المألوف وبما یساعد علی حل المشاكل المجتمعیة والاجتهاد في المسائل المستحدثة التي تواجه الدولة والنظام.. رغم ان الوصول الی نظریة في اغلب العلوم الانسانية التي هي الحقل الأهم للنشاط المعرفي الحوزوي یحتاج الی فترة من الزمن وحجم من تراكم الانتاج المعرفي وهذا الامر لا يختص بايران والثورة الاسلامية، بل من “سنن المعرفة”..
ومن یطلع علی سعة الحراك وعمقه في قم خاصة وحجم المركز والمشروعات التي ظهرت خلال الـ 37 سنة من عمر الثورة المباركة، یدرك ان تیار الثورة ضم في دفینة تیار دولة واسع ومتشعب ومعقد (في مقابل بسیط)، يفكر بمشروع نهضوي ضخم ويحلم بواقع علمي مغاير لمنهجية التقليد رغم انه لم يلغها، بل جعلها الارضية والبيئة الحاضنة لمشروعه او على الاقل هكذا تعامل معها، ولم يقصها بل دعمها في كثير من الاشياء.
ورغم اجواء التعایش بین التقلیدیین والثوریین في ظل تفاهم قیادة التیارین في ايران وخارجها، الا ان التیار المتطرف لا یزال یشكل المعضلة حتی في العلاقة بین التقلیدیین عامة والثوریین، وخطورته في مضمونه الرجعي التقلیدي وادواته الصدامیة وخطابه العدائي المتشنج، مدعوما بهذا الكم الهائل من وسائل الاعلام المشبوهة التي تحاول افراغ الساحة الشیعیة من عمقها ومحتواها.. بل تحول بعضها الى منهجية تكفيرية (تشبه المنهج الوهابي في اقصاء جميع المسلمين الآخرين من دائرة الايمان) بسبب خلاف حول قضية جزئية، لا هي من اركان ولا فروع الدين، وهجوم على جميع العلماء والفضلاء، وبالطبع العداء السافر وباقذر واحط الالفاظ ضد قيادة الجمهورية الاسلامية…
انني علی اطلاع بالمشاریع المشتركة (معرفیا) والتقارب المنهجي الذي یجري بین حوزتي النجف الاشرف وقم المقدسة، سواء في النجف او قم وهي بادرة مهمة نأمل ان تستمر وتطور علی غرار ما یجري في حوزة قم من جهد علمي وبرمجي وبحثي…
لكن الصراع بین التیارین التقلیدي والثوري خلق تیارا آخرا “حداثویا” انفتح علی القراءات الحدیثة في علم الكلام والعرفان واللاهوت والتي جمیعها تتبنی البلورالیة والتأویلیة والنسبیة ـ المعرفیة ـ فتبنی هذا التيار في عمقه الفكر اللیبرالي الغربي، وتلبس بظاهرة بالمفاهیم والصور العرفانیة الاسلامیة.. تیار یحاول انسنة الدین، بمعنی مرجعیة الانسان ولیس الوحي في استغلال غیر برئ للوازع الدیني والعطش الانطولوجي عند الانسان (على حد تعبير أحد الاصدقاء المفكرين من عمق هذا التيار)…
ما یطرحه هذا التیار (“الحداثوي”) من مفاهیم رومانسیة عامة ومعالجات قائمة علی التعددیة والنسبیة المعرفیة، یوحي بانه یرفض الدولة الدینیة (یرتبط بالتیار التقلیدي هنا) لكن دعوته العرفان والانسان والمحبة والحیاة تربطه علی مستوی الخیال الفكري بالتیار الثوري، رغم ان عمقه والاسس التي ینطلق منها هي المفاهیم اللیبرالیة الغربیة، مهما حاول بعض رموزه تدجین افكارهم اسلامیا.. خاصة وان هذه الافكار جاءت عموما بعد تجربة فاشلة خاضها اغلب رموزه مع التیار الثوري ومن خلال ارتباط مستمر بالتیار التقلیدي!
ان ثورة الامام الامام الخمیني (رض) ثورة عودة الی الذات ونقد ومحاسبة للنفس علی قاعدة “ان الله لا یغیر ما بقوم حتی یغیروا ما بانفسهم”، وايضا “میدانكم الاول انفسكم…”.. ثورة مراجعة لجمیع المفاهیم وقراءتها من جدید بما یتناسب والتطور المعرفي والنضج العقلي الذي بلغته البشریة.. ثورة التقدم العلمي والمعرفي والصناعات النوویة والجوفضائیة والنانو والمساهمة في ركب التقدم الحضاري البشري.. ثورة تخرج الدین من المقابر ومجالس العزاء والانكفاء علی تقسیم الارث وعقود الزواج.. لیشمل كل نواحي الحیاة بحلول ومعالجات “غیر انتقامیة” وغیر دافعة، قوامها المحبة والسلام ونبذ التطرف.

قد يعجبك ايضا