الطغاة المصلحون والمحسنون الإنقلابيون
بقلم الإعلامي العميد المتقاعد هاشم المجالي
………….
للوهلة الأولى قد يتفاجئ القارئ عن مقاصد وغايات هذا المقال والتناقضات التي في عنوانه .
ولكن لنا دائما في سرد قصص القرآن الكريم وروايات الحوادث التي كانت تحصل مع بعض الرسل والأنبياء العبرة والحكمة ، واليكم هاتان الواقعتان اللتان قد حصلتا معي أنا شخصيا من خلال خدمتي بالأمن العام ولكم ان تاخذوا العبرة والحكمة من سردهما .
عندما كنت ضابطا بإدارة مكافحة المخدرات كنا نعطي محاضرات توعوية عن المخدرات وأخطارها لكل مؤسسات المجتمع المدني العامة والخاصة.
ومن هذه المؤسسات كانت كلية الأمير حسن للعلوم الإسلامية بالزرقاء حيث كان كل تلاميذها من الوعاظ والأئمة من كل أنحاء المملكة ومن كل مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية ، ولهذا كنا نحن الضباط نستصعب ان نقف ونتحدث أمام مثل هؤلاء الفئة من الناس الذين نحسب منهم العلماء و الوعاظ والخطباء ، واذكر اننا كنا كثيرا نتحرج من بعض الأسئلة التي تطرح علينا احيانا من بعضهم ، مثل سؤال لماذا لا يتم معاملة الخمور مثل المخدرات من قبل الدولة وأخرى عن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية او قصور بعض القوانين الوضعية ، وكان بعضا من هؤلاء الوعاظ والأئمة يبالغون بإحراجنا بأسئلتهم لدرجة اننا صرنا نشعر أنهم يتهجمون على الدولة من خلالنا ، ولهذا صرنا نعرفهم ونتعوذ كثيرا من اطروحاتهم اذا ما رفعوا أياديهم راغبين بطرح الاستفسارات او الأسئلة.
كانت المحاضرات عادة تكون بمعدل محاضرة او محاضرتين إسبوعيا ، وقبل نهايتها كنت اتفاجئ أنا بزيارات او اتصالات من هؤلاء المشاكسين المتهجمين على الدولة من خلالنا ويعترفون لي بأنهم مجندون وناقلون للأخبار وانهم مربوطون معلوماتيا مع بعضا من الدوائر الأمنية، فكانوا يُمثلون أنهم معارضون اومصلحون ولكنهم في حقيقة الأمر هم عبارة عن حساسات أو مجسات لنبض بعض من زملائهم وكاشفون لبعضا من نواياهم ، ولكم انتم اعزائي ان تستنجوا وتستخلصوا العبرة في سرد هذه القصة .
بالمقابل اذكر اننا كنا نعاني في ادارة مكافحة المخدرات من قلة استيعاب مركز معالجة المدمنين لعدد النزلاء وضيق مساحة المركز ، وكان لنا صديقا خيًرا وهو تاجر وكادح في رزقه ولا يرتدي بلبسه العمامة ولا الثوب ولا هو بملتحي الوجه ، بل كان شابا يافعا يتوكل على الله وعلى نفسه في رزقه ، كان صديقنا واسمه ابو عبدالله يقوم بكل الفرائض الدينية واركان الإسلام ونوافلها ، عندما سمع صديقنا ابو عبدالله عن مشكلة مركز علاج المدنين وضيق مساحته وقلة استيعابه للنزلاء ، بادر من تلقاء نفسه بالتبرع بمبلغ ربع مليون دينار لتوسعته وزيادة اعداد نزلاءه، وبالفعل تم التبرع وتم الإنجاز والكل يعرف ان ابو عبدالله هو من اصحاب الأيادي البيضاء والخيّرة في كل ميادين الخير ، علما انه يرتدي في كثير من الأحيان بنطلونات جينز وكوردروي وفيستات وتوب سايدر شوز. فهو محسن بطبعه وفطرته متوكلا على الله في رزقه .
ومن العجيب والعجب العجاب ان نرى بعضا ممن كانوا في قصتنا الأولى ممن يدعون أنهم أئِمة ووعاظ وكانوا هم المشاكسون يخرجون علينا الآن من خلال السوشيال ميديا من دول خارج الأردن ويدعون انهم مصلحون ومحبون للوطن ويحملون الهم الوطني والديني يتهجمون على الوطن وقيادته وعلى أخيّار الوطن أمثال ابو عبدالله ويتهمونه احيانا بأنه انقلابي وأحيانا أخرى بانه عميلا للدولة ولأجهزتها الأمنية، وقد يتهمونه بأنه عميلا للموساد الصهيوني ، وكل ذلك لأنهم أرادوا إبتزازه ماليا ورفض ذلك .
ابو عبدالله الذي لم يتجاوب او يرضخ لابتزازهم هاجموه و أرادوا استغلال حجم المشاهدات على بثهم ليشهروا به ويضغط عليه حتى ينصاع لهم ولإبتزازاتهم .
وأخيرا فإنني اقول لهؤلاء الطغاة الذين يلبسون لبس الدعاة في لحاهم واثوابهم ، والذين يكثرون من النحنحة والقحقحة عند خروجهم الى صلاة الفجر ليشعرون الجيران أنهم مؤمنون قوامون ، والذين هم يفضحون المساكين والفقراء اذا ما تبرعوا لهم من أموال غيرهم ، اتقوا الله في دينكم وانفسكم ووطنكم فهوا الذين يعلم خائنة الأعين، فإن مثلٌتُم علينا فإنكم لن تستطيعوا أن تمثلوا على الله الذي سيكشفكم امام الوطن .