حمل البنادق وحمل المكانس للتغيير – درس للعرب
د. بسام الساكت …
مصر عرفناها موطنا للثقافة والتأليف للكتب، ولبنان بلد الثقافة وطباعة الكتب، وبغداد بلد قرّاء الكتب، ولمدارس لبنان ولرهبانه ولشيوخه فضل كبير في المحافظة على اللغة العربية، أثناء السيطرة التتريكية والحكم الفرنسي .
يأتي تفجير مرفأ بيروت ليذكِّرَني بتقرير البنك الدولي عن لبنان عام 1966، حين نصح الحكومة تركه للقطاع الخاص، انسجاماً مع الحرية الاقتصادية، وإدراك البنك لثقل المرفأ في حياة لبنان والإقليم. ويعدُّ تدميره اليوم ضربة موجعة لاقتصاده. ويعدّ لبنان بلد الاقتصاد الحر، لكن أزماته السياسية تعبث بنموه واستدامته. وكان اتجاه منحنى نموه بعد الخمسينيات من القرن الماضي وما قبلها وما بعدها ممَيَّزا في قطاع المصارف والسياحة والتعليم، وخزانة إيداع واستثمار للرأسمالية العربية المهاجرة .
وبعد عام 1967، ورغم استمرار اللاعبين من الخارج، وأصابعهم العابثة والمستهدفة أحيانا لاقتصاده ومجتمعه الحر، إلا أنه نمى بجهده وبدعم أصدقاء وحلفاء يرتكزون على أعوان في الداخل، وبفعل مؤسسات حديثة، نما وتجاوز لبنان عثرات، وامتصّ الصدمات الاهتزازية، لكن برز له منافسون في المصارف، كالبحرين وقبرص وإسرائيل وتركيا. كما لعبت باقتصاده وهيكله السياسي أصابع النفوذ والعبث منذ تأسيسه، عن بعد وعن قرب، فبرزت درنات المحاصصة الطائفية والعشائرية، وتقاسم المصالح، وأصبح نهجاً للحياة مألوفا، لكنه مصطنع تعوزه الجذور والاستمرارية، كونه ربط بنفوذ الدول الكبرى كفرنسا وأمريكا، وتنافس دول الإقليم العربية السياسي، كمصر وسوريا والسعودية والكويت وغيرهم من اللاعبين. ثم تلا ذلك تصاعد نمو إسرائيل وارتباطها بأمريكا، مقابل هبوط لبنان كمؤسسة واقتصاد، وأصبح مأوى للمهاجرين والسياسيين من فلسطين وسوريا. ثم بات لبنان تحت نفوذ سوري، لكن بعد تفجير موكب رفيق الحريري، تم إخراج نفوذ سوريا منه.
ويخطر على بال المعاصر منا للأحداث تساؤل منطقي عن المرشح للخروج اليوم من ساحة النفوذ بعد تفجير المرفأ؟ أهو حزب الله الخصم القوي المستهدف من أعداء نهج المقاومة للاحتلال الاسرائيلي؟ فهو «ممن» يرفع شواخص ضدّ الظلم وغياب العدالة والفساد واحتكار النفوذ، والسؤال هنا، هل هو خروج فيزيائي، أم تحييد، أم تدجين أم قولبة لحزب الله ليصبح حزبا لا نفوذا مسيطرا، بل مكوِّنناً كغيره، غمّازته تشير نحو اليسار، لكنه يتجه نحو وجهة أخرى مثل، نظام تيتو في يوغسلافيا في الخمسينيات؟ تساؤل منطقي محتمل لكن تحديد الإجابة عليه صعبة، حتى من قبل أهله، لتعدد اللاعبين وخلفياتهم العقائدية، وأقول: لكن ثم لكن، فالسياسة هي مهنة المُمْكِن .
الشارع يجب ألاّ يترك طويلاً على تلقائيته، فبدون قيادات له شفافة، قد يتيه وقد يُستغَلْ
ويتأثر لبنان بمحركات متعددة، لقد شاهدناه ينمو عقب الحرب الأهلية، لكنه يُخْفي في وسطه مخلفات فُرقةٍ وصراع وتنافس جهات، لا ترى في لبنان إلا المصلحة الخاصة والأنانية العميقة. ففي القطاع الرأسمالي والعشائري السياسي، والفرق المذهبية والطائفية فيروس متَمَكِن من فئات، ليس في أولويتها وحسابها مصلحة غالبية الشعب، وقلب لبنان المأزوم، فقد تورّم الاقتصاد والمجتمع ولم ينمُ بشكل حقيقي.. هو تورم وقرينة وأرض خصبةً لالتهابات داخلية، ولمن يرغب التدخل وإثارة الفتن والصراعات. قد يقال: نعم حفظ اللبنانيون درس حرب السبعينيات 1975، وتأكدوا أن العنف البَيْنيْ محصلته خسارة لهم، فبادروا لهدنة محلية مع النظام القائم – هدنة تخلو من الإصلاح تحتها رماد ساخن وإلى حين. رماد التحارب المصلحي؛ وفيروس المحاصصة الطائفية، وهو الخلل الهيكلي المُزمِن منذ تأسيس لبنان؛ والارتباطات الخارجية؛ وعلل تفاوت الدخول والثروات، فنمت طبقات متنفذة، تمتلك الثروة الأعظم مقابل الغالبية الفقيرة ومتوسطة الحال. إنه نمو مؤقت مهزوز غير مستدام. (إحصاءات البنك والصندوق الدوليين ومؤشرات الايسكو والتنمية البشرية كلها تؤكد تلك العلل).
وجاء تفجير المرفأ فرصة لمن يضمِرُ سوءا للبنان، وحلقة ضعف في البناء اللبناني، والعاقل يدرك أن الحلقة الأضعف في أيِّ سلسلة فولاذية هي التي تتحكم في مناعتِه. لقد شاهدنا التدمير والنكبة الإنسانية جرّاء تفجير المرفأ وجواره وتهجير أحيائه. وهبَّ «فارعاً» «دارعاً» الوالي ماكرون من فرنسا بخلفيته الانتدابية، ليرى ويسمع، وليقف مع لبنان. ولا يغيب عنا وعنه، أن فرنسا، بلده، تعي أن زرع المحاصصة الطائفية أنتجَ خللا هيكليا، وأصبح مزمناً في إدارة لبنان منذ تأسيسه، ورُغم ذلك فصعب عليّ أن أُنكِر على ماكرون شجاعته وإقدامه. كما لا يخفى عليّ، سياسيا وأمنياً، أنه نسّق مع قوىً أخرى حول الزيارة! جاء ماكرون وحيّاهُ الشارع اللبناني المنكوب من الدمار، ومن عللِ الفقر والفساد وضعف الرؤية المستقبلية للشباب، فوجد الشارع اللبناني في زيارته، متنفساً لبث شجونه وآلامه. وفعلا جاءت تصريحاته «العلنية» متناغمة مع الشارع، شائكة متهمة الحكم اللبناني، ناقدة الإدارات التنفيذية والتشريعية، فردد على أسماعهم قناعته بشعارات الشارع اللبناني، عن فساد إدارة وعلل المؤسسات والأحزاب. وتلك تصريحات غير معتادة لرئيس دولة زائر. لقد ذكرتني بتصريحات الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، الشفافة، في عام 1965حين زار أريحا في الضفة الغربية من فلسطين، وتفاجأ بالفجوة بين الناس وقياداتهم، وبينهم وبين قوة إسرائيل فنصحهم بالواقعية والسلم، وعدم تضييع فرص الحياة للأجيال الفلسطينية! بالطبع هناك فروقات بين الزيارتين – ماكرون تناغم مع الشارع وأزعج الحكام، في حين تناغم بورقيبة مع الحكام وأزعج الشعوب، ويبقى المحتل الإسرائيلي، العدو الأول .
كانت تصريحات الرئيس ماكرون «العلنية» شائكة غير تقليدية من رئيس دولة يدرك أبعاد كلامه، وتكلم بقناعة وبلسان الشارع عن الفساد وغياب الإصلاح والعدالة، وذلك كلّه، بقناعتي، «صافرة إنذار» لكل إدارة ومسؤول عربي، وفرصة تفتحُ الأعين على أهمية ما ينادي به الشارع، ذلك أن العالم تبدّل، والاستماع للشارع واجب ونهج حكمٍ ضروري، وبوصلة للمراقب الخارجي، وبوليصة تأمين لولاة الأمر، إن أحسنوا التعامل مع الشارع. ولندرك أن الدول الكبرى لا تدوم عندها إلا المصالح لا الصداقات، فلا يخدمها مسؤولون ممن قاعدتهم مع الشارع مهزوزة. وأضحت تلك الدول تستخدم صوت الشارع لترجِّح التدخل لتغيير الأنظمة! والشارع يجب ألاّ يترك طويلاً على تلقائيته، فبدون قيادات له شفافة، قد يتيه، وقد يُستغَلْ.
وأكررهنا القول، إن تدخُّل ماكرون بهذا الشكل واقتراحه التدويل، أو اقتراحه لدستور جديد، بدون رضىً وقناعة محلية، قد يكون أيضا مطباً سياسياً له، إن تأخر الحل، واختلَّ السلم المجتمعي اللبناني باتجاه صراع داخلي أهلي، قد يقود لكارثة تهدم كينونة البلاد ومؤسساتها النظامية، فإن حصل ذلك ـ لا سمح الله ـ بدون قصد، بل نتيجة فراغ سياسي إداري، أو لفقدان السيطرة، فكأننا في المحصلة، حينئذ أمام حالة مماثلة لتلك في العراق عندما فرَطَ بريمر، منهجيا، الجيش والإدارات الحكومية، بدعوى محاربة حزب البعث، فاختَلَّ الميزان هناك وهُدِمَت المؤسسية، وفُقِد الأمن والقانون ودخل العراق نفقاً مازال يعاني منه. إن الفتنة منتنةً، لعن الله من يُوقِظها.
لقد إستمعنا لحديث السيد حسن نصر الله بالأمس، لنسمع منه شيئا عمّن وراء تفجير المرفأ؟ أهي جهة محلية أم خارجية، فجاء حديثه محسوباً بدقة، يتخلله غضب هادئ مُبَرْمَجْ، ولم يتطرق لزيارة ماكرون، رغم ورود أخبار لقاء من الحزب معه، وترك الأمر للجنة تحقيق لبنانية، لا دولية يجمع عليها الناس كالجيش اللبناني، لمحاكمة كل متلبس، ومتقبلا نتائج أعمالها، مطالبا بتنفيذ العقوبات على المُدَانين. وأثنى على تضامن الناس وتمنى عليهم الصمود للخروج من حالة الحصار والدمار، وترفّع عن السجال، إلاّ للمحطات التي سماها تدفع نحو الصراع الأهلي. ودعا لتجنيب لبنان صراعا يودي بكيانه، وكرر تسمية انفجار المرفأ «بالحادثة والفاجعة». وأرى أن أهم مقطع فاصلٍ، نود تسجيله، في حديثة الهادئ على غير عادة، تأكيده ونفيه لأي صلة لحزب الله بالمرفأ، وأي معرفة به تحكُّماً أو استخداماً، وسمّى الاتهامات لحزبه، بأنها تضليل ظالم؛ وإن معرفته أكثر هي عن ميناء حيفا فتلك سماها جزءا من الردع! وبثقة قال للبنانيين أن يبحثوا عن فرص فتحتها المأساة؛ وأن قوى المقاومة أكبر من أن ينالها الظالمون. لكنه أغفل أهمية معالجة فيروس المحاصصة الطائفية، تلك العلّة المزمنة في لبنان منذ نشأته والتي راقت لزعماء الطوائف وهو أحدهم، فأعاقت وعطّلت الكثير من صلاحيات الدولة لصالحٍ فئويٍ، وأجَّلت الإصلاح في لبنان، ونشهد حصادها المُرْ منذ عقود.
لقد سمعنا من بين الركام في الشارع اللبناني أصوات، نسيت الاستقلال، ودماء الشهداء، ودعت غاضبة لعودة الحكم الفرنسي. ذلك بنظري كلام في لحظات غضب وفقدان أمل بالحاضر، هو مؤقت، ذكَّرَني بالمرحوم الشاعر مصطفى وهبي التل، والد الشهيد وصفي التل، حين وصف ردة فعل الإنسان عند اللحظات الحرجة: « َسَبَّةُ الدِّين ِ بمطْرَحِها تسبيحْ» أي غير مؤاخذة، ويمكن التجاوزَ عنها .
نحن في الاردن على ضيق ما في الجيب، فقراء مالاً، أغنياء بالقيم والمودة، نقف بهِمَّةٍ مع الأهل في لبنان وفلسطين وأبعد من ذلك، ونتمعّن بدروس الآخرين، ونتمنى للبنان الصبر والتماسك الوطني والصمود والنهوض. وإن المشهد الشعبي المتكاتف المتضامن ضمن سلم مجتمعي واعٍ، هو مشهد آمل أن اللبنانيين يدركون حكمته وتعلَّموه من حربهم الأهلية المفتعلة في 1975 حين حملوا البنادق على انفسهم. واليوم يحملون مكانس لا بنادق لتنظيف الشارع من بقايا الانفجار. والكثير منا «يثمّن» عالياً روح أهل لبنان، ويأمل منهم إبعاد وتحييد التدخل الخارجي في شؤونهم، كما ويأمل ان المكانس تصل الى مواقع وعلل أبعد من نظافة الشوارع من مخلفات التفجير. إن الكرة يجب الآن، ان تكون بأيدي اللبنانيين، وليس بأيدي الآخرين .
وزير أردني سابق