لوموند: بين الرسوم الكاريكاتورية ومحاربة الانفصالية.. ماكرون في موقف دفاعي على الساحة الدولية
وهج 24 : قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن العاصفة اندلعت في العديد من “الدول المسلمة” منذ تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن “فرنسا لن تتخلى عن الرسوم الكاريكاتورية”، وهو ما فهم منه بأنه يقصد تلك الرسوم التي يعتبرها غالبية المسلمين مسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
واعتبرت الصحيفة أن عاصفة قوية هبطت على فرنسا على الصعيدين الداخلي والخارجي، بعد يومين من الهجوم الذي استهدف المدرس صامويل باتي يوم 16 أكتوبر، على خلفية عرضه خلال الدرس لرسوم كاريكاتيرية أريد منها تجسيد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وأعرب مصدر رفيع المستوى في قصر الإليزيه عن قلقه بشأن التأثير الناتج خارج فرنسا عن مشروع قانون مكافحة “الانفصالية” الذي قدمه إيمانويل ماكرون، قبل أسبوعين.
هذا المستشار بقصر الإليزيه دعا إلى ضرورة تبني خطاب مضاد ضد أولئك الذين يقولون، خاصة في الخارج، إن كلام رئيس الجمهورية موجه ضد المسلمين، وكان الموضوع على طاولة مجلس الدفاع الذي في قصر الإليزيه.
لكن ذلك لم يمنع اتساع رقعة الاحتجاجات على الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في كثير من البلدان. الصحافة الإيرانية نشرت رسما كاريكاتوريا يظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على شكل شيطان. كما رأى الرئيس الفرنسي صورته تُداس تحت أقدام المتظاهرين في الضفة الغربية، وأحرق تمثاله في بنغلاديش. كما تحول ماكرون إلى هدف لهجمات شرسة من قبل العديد من القادة المسلمين، من باكستان إلى إندونيسيا. وتم إطلاق دعوة لمقاطعة المنتجات الفرنسية بتشجيع من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
توسعت رقعة الاحتجاجات على الرسوم المسيئة للنبي محمد وتحول ماكرون إلى هدف لهجمات شرسة
وتابعت لوموند القول إنه على الرغم من التأييد المطلق الذي تلقاه ماكرون من الاتحاد الأوروبي، فإن هذه الموجة من الانتقادات تمثل نقطة تحول وتهديد بالنسبة للرئيس الفرنسي، الذي أراد أن يظهر في الخارج الصورة الإيجابية لبطل يقود التيار التقدمي ويناضل من أجل المناخ. رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد وجه انتقادات شديدة اللهجة إلى فرنسا في سلسلة تغريدات على موقع تويتر، مذكرا بمجازرها بحق المسلمين في الماضي، وأضاف رئيس الوزراء الماليزي السابق أن الرئيس الفرنسي ماكرون “بدائي للغاية”.
ولمحاولة إخماد الحريق، والرد على ما تراه السلطة التنفيذية حملة منظمة ضد فرنسا ورئيس الجمهورية، وافق الرئيس إيمانويل ماكرون على إجراء مقابلة مع قناة الجزيرة. واعتبرت لوموند أن اختيار هذا المنبر الإعلامي يعود إلى حجم القاعدة الجماهيرية الواسعة التي تتابع قناة الجزيرة، بين 35 و40 مليون مشاهد، لكن أيضا بسبب الرسائل التي بثتها القناة وتتعلق بالرئيس الفرنسي.
ماكرون قال إنه يسعى إلى تهدئة الأوضاع، منددا بـ “تحريف” طال تصريحاته حول الرسوم الكاريكاتورية، قائلا إن “مسؤولين سياسيين ودينيين” أوحوا بأن هذه الرسوم “موجّهة من الحكومة الفرنسية” ضد الإسلام. وأضاف بأنه يتفهم مشاعر المسلمين إزاء الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مشددا على أن حكومته لا تقف خلف هذه الرسوم.
وفي حديثه ذهب الرئيس إيمانويل ماكرون أبعد من ذلك، وسعى إلى الدفاع عن النموذج الجمهوري الفرنسي القائم على العلمانية، كما تحدث عن جمالية النموذج الفرنسي حسب تعبيره، والذي جوهره قائم على فكرة الانتماء إلى نفس البلد ومن ثم الانصهار في نموذج موحد.
وأوضحت لوموند أن ذلك يعد أيضا بمثابة رد على الانتقادات التي وردت في وسائل الإعلام الأمريكية. صحيفة واشنطن بوست الأمريكية صورت فرنسا كبلد يهتم بإصلاح الإسلام بدلا من “مكافحة العنصرية الممنهجة” على أراضيها، وهو الخطاب الذي انزعج منه رئيس الدولة خلال الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء.
الانتقادات الدولية جاءت من كندا أيضا، بعدما اتخذ رئيس الوزراء الكندي مسافة من موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ودعا إلى استعمال حرية التعبير بحذر، قائلا إنه سيدافع دائما عن حرية التعبير، مشددا في الوقت نفسه على أن حرية التعبير ليست بلا حدود.
مقابلة ماكرون مع قناة الجزيرة لم تكن موجهة لجمهور أجنبي فقط بل إلى الفرنسيين أيضا، الذين أكد لهم بأنه يريد الدفاع عن سيادة نموذجهم، وقال بأن العلمانية لم تقتل أحدا قط.
وأشارت لوموند إلى أن الإمارات العربية المتحدة دافعت عن موقف الرئيس الفرنسي، حيث قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجيّة أنور قرقاش في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت الألمانيّة” إنه “يجب أن نستمع إلى ما قاله ماكرون حقًا في هذا الخطاب، فهو لا يريد عزل المسلمين أو إقصاءهم في الغرب، وهو مُحق تماما”. وأضاف وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجيّة أنه ”يجب على المسلمين الاندماج بشكل أفضل، ويحق للدولة الفرنسية البحث عن طرق لتحقيق ذلك في الوقت الذي تكافح فيه التطرف والانغلاق على المجتمع”.
وبالنسبة للوزير الإماراتي، فإن الجدل الحالي هو قبل كل شيء فرصة استغلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمصلحته لسياسية. فأردوغان يستخدم أي ثغرة أو نقطة ضعف يراها، لزيادة نفوذه وسلطته، حسب الوزير الإماراتي، الذي أضاف: “فقط عندما نرسم له الخط الأحمر، يكون وقتها مستعدًا للتفاوض”.