معاناة الصحفيين في نشر الحقيقة
بقلم الدكتور أحمد عاجل الربيعي من العراق …
لا يزال موضوع الحريات العامة وحقوق الإنسان وبالخصوص ما يتعلق بمعاناة الصحفيين في نشر الحقيقة موضوعا يثير الشجون، أذ عن معاناة الصحفيين الصعبة في مناطق عديدة في العالم وفي مقدمتها البلاد العربية ولاسيما دولها التي تشهد حروبًا أو صراعات سياسية. في الوقت الذي ينبغي على الصحفيين أن يحافظوا على المصداقية والتزام المعايير المهنية، فهم مطالَبون بالعمل على توفير الظروف الملائمة للعمل الصحفيين مثل: الوسط الآمن لسلامة الصحفيين وسلامة أصدقائهم وذويهم، وخلق الظروف الاجتماعية والمهنية التي توفر هذا التوازن. وفي هذه اللحظات الصعبة نتذكر زملاء لنا في ميادين الحرب والعنف التي تُهدِّد سلامتهم وهم يؤدون مهامهم في نقل المعلومة للناس. علينا أن نتضامن مع الصحفيين في السجون ونعمل على أن يخضعوا لمحاكمات عادلة وليست محاكمات شكلية وبأدلة مزورة.
تم تسجيل العديد من عن تجارب المضايقات التي يتعرض لها الإعلاميون في اليمن ومصر وسوريا والعراق ؛ حيث تحدَّث الصحفي عبد الفتاح فايد، محرر الشؤون المصرية في قناة الجزيرة، عن تجربة المضايقات التي تعرَّض لها مكتب الجزيرة في القاهرة وبقية الصحفيين في مصر حيث يتم إخضاعهم للتهديد بالقتل والاعتداء الجسدي وتزوير الملفات، وذكرَ ما تعرَّض له الصحفي رامي جان المعارِض للانقلاب حيث سُجِن بتهمة الاتجار بالمخدرات لأنه مسيحي لا يمكن أن يُتَّهم بالإرهاب، بالإضافة للتهم الخطيرة غير المؤسَّسة قانونيًّا مثل نشر أخبار كاذبة وتهديد الأمن القومي.
فيما تعرض الصحفي أحمد الشلفي، محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة، لمعاناة مكتب الجزيرة في اليمن خلال عهد الرئيس علي صالح لاسيما أثناء الثورة وأيضًا بعد الاجتياح الحوثي لصنعاء الذي أشاع جوًّا من الكراهية ضد الصحفيين حتى صار قتل الصحفيين أمرًا سهلًا حسب وصفه. الصحفي خالد دغيم من سوريا تناول المناخ القاسي الذي يعمل فيها الصحفيون بسوريا خصوصًا بعد الثورة حيث قُتِل وسُجِن المئات منهم من قِبَل النظام والميليشيات الشيعية والجماعات المتطرفة، مضيفًا: رغم كل ذلك نجحت الثورة في خلق ثقافة المواطن الصحفي واستبسل الصحفيون في نقل المعلومات والصور عن الثورة رغم الجراحات النازفة.
يتحدث الصحفي أحمد عاجل الربيعي، أعمل في الصحافة بالعراق منذ 17 سنة، في كل عام أكلف فيه بتغطية العديد من الأحداث والمواقف، ومنها الحصول على تقارير لأعداد ضحايا العمل الصحفي، القتلى والمعتقلين والأشخاص الذين تعرضوا للتهديدات، والتي كان لنا شخصيا نصيب وافر منها. فهذه المعلومات الوحيدة التي ترصد للعاملين في مجال الصحافة، دون البحث عن النجاحات التي حققها العاملون فيها أو تكريم بعضهم، أو حتى تقديم تهنئة لهم.
إذ لا يزال العراق يحتفظ بموقعه الغريب ضمن الدول الأكثر خطورة في مجال العمل الصحفي.
ووفقا لتصنيف (مراسلون بلا حدود)، فإن العراق خلال عام 2020، حافظ على بقائه في البقعة السوداء المخصصة للدول الأكثر خطورة في مجال الصحافة وحرية التعبير عن الرأي، محتلا المركز 162 من بين 180 دولة رصدتها المنظمة في العالم. ويضيف الربيعي، أن الصحفيين العراقيين يخاطرون بحياتهم عندما يغطون الاحتجاجات أو عندما يحققون بشأن قضايا الفساد. كما ازدادت حدة الضغوطات على العاملين في مجال الصحافة منذ اندلاع التظاهرات في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، حيث يواجه الصحفيون الذين ينقلون احتجاجات المتظاهرين خطر التعرض للمضايقات أو الاختطاف أو الاعتداء على أيدي مسلحين مجهولين أو منتسبين إلى إحدى الميليشيات، بل ويصل الأمر حد الاغتيال في بعض الحالات، تعرضنا نحن بالذات للعديد من هذه المواقف. في ظل تعنت الشخصيات السياسية والدينية التي تعتبر نفسها مقدسة وغير قابلة للانتقاد، يتعرض الصحفيون للملاحقات ووسائل الإعلام لمنع النشر أو البث بتهمة “إهانة رموز وطنية أو دينية”. وتضيف “هذا وتمر اغتيالات الصحفيين دون أي عقاب، علماً بأن التحقيقات التي تُفتح بشأنها لا تؤدي إلى أية نتائج مجدية. أن الوضع أكثر خطورة مما يبدو، لأن الدولة في “موقف ضعف إلى حد يجعل من المستحيل تحديد ما إذا كانت المليشيات العديدة المتدخلة في الساحة العراقية تعمل لمصلحة الحكومة أم أن الوضع يخرج بالفعل عن سيطرة السلطات.
يرى احمد عاجل الربيعي ، أن العراق ومنذ 2003 سيطرت فيه القوى الحزبية على الإعلام ووجهته لصالحها ولتمرير أجنداتها، ولكسب الجمهور في الانتخابات والترويج لشخصيات فيها وللمنافسة مع الآخرين وتسقيط الخصوم، لذلك كانت الصحافة في الغالب حزبية.
لقد تعرضت الصحافة في العراق منذ 2003 إلى مئات الحوادث وأشكال مختلفة من الاضطهاد الاقتصادي والسياسي والأمني وقتل العشرات من الصحفيين وترك المئات العمل وبعضهم ترك البلاد.
وما زال الصحفيون يعانون من الضائقة المالية بسبب قطع الرواتب وتسريح آلاف العاملين،
ولا يمكن أن نتحدث عن وضع الصحافة في العراق دون المرور بالظروف التي أسست لواقعها الحالي، سواء على مستوى الحرب الطائفية والتدخلات الأجنبية والتنظيمات المسلحة وغيرها.
يقول الربيعي، إن تلك الظروف جعلت الصحافة في العراق جزء من المعاناة وحالة اللا استقرار لا تزال قائمة حاليا، وربما يستمر هذا الحال لفترة قادمة.