الفلسطينيون على أعتاب انتفاضة ثالثة: السيناريوهات والتوقعات
إسماعيل عبد الهادي ……
يبدو أن الانفجار الكبير الذي حذر منه الكثيرون نتيجة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي التعسفية ضد الفلسطينيين، أصبح واضحاً في الاحتجاجات الغاضبة على امتداد الجغرافيا الفلسطينية، حيث يواصل الفلسطينيون في مدينة القدس والداخل الفلسطيني المحتل الهبة الشعبية، بعد قيام الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين بالاعتداء على المصلين في باحات المسجد الأقصى، ومحاولة تهجير 500 مقدسي من منازلهم في حي الشيخ جراح شرقي مدينة القدس، واستمرار العدوان والقصف الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة.
وأدى تفاقم الوضع الأمني في المدن العربية داخل إسرائيل، لإعلان حكومة الاحتلال حال الطوارئ في مدينة اللد التي تشهد أعنف المظاهرات والاحتجاجات والمواجهات بين الفلسطينيين وقوات شرطة الاحتلال، وبذلك فقدت إسرائيل السيطرة على الوضع الأمني في عدد من المدن العربية، وهو ما أجبر وزير الدفاع بيني غانتس، على سحب ثلاث كتائب من قوات حرس الحدود في الضفة الغربية، لنقلها إلى المدن العربية في الداخل بسبب تردي الوضع الأمني.
وتشهد وتيرة الاحتجاجات التي يخوضها الفلسطينيون، تصاعداً ملحوظاً وسط فقدان السيطرة من قبل الجيش والشرطة الإسرائيلية على المظاهرات الحاشدة، مع دعوة الفصائل الفلسطينية في غزة وعلى رأسها الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة، المنتفضين لإشعال النار في وجه الإسرائيليين، وانتزاع الحقوق العادلة للحفاظ على كرامتهم.
وأقدم المتظاهرون الغاضبون في مدينة اللد والنقب المحتل، على إطلاق الأعيرة النارية صوب المستوطنين والشرطة الإسرائيلية لأول مرة، بينما لا يتردد الإسرائيليون في الإعراب عن خيبة أملهم في السيطرة على الانتفاضة الشعبية، فيما تسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، إلى تبريد التوترات الميدانية في القدس والداخل وتجنب الاشتباكات، مروراً إلى تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل إصرار الفلسطينيين على فرض معادلة جديدة مع الاحتلال الإسرائيلي.
قمع المتظاهرين العرب
وتناقلت وسائل إعلام عبرية وحسابات مستوطنين الخميس الماضي، مشاهد خروج جماعي للمستوطنين من منازلهم في مدينة اللد، استعداداً لمغادرة المدينة، بعد تصاعد وتيرة العنف الفلسطيني في أعقاب استشهاد الشاب موسى حسونة، الذي فجر استشهاده فتيل الثورة الفلسطينية التي تخرج عن سيطرة إسرائيل.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، إن هناك عوامل تهيئ لقيام انتفاضة جديدة في الأراضي الفلسطينية تؤدي إلى الانهيار، محذراً من أن «مواصلة استهداف الفلسطينيين وإلحاق الضرر بهم بشكل متعمد ومبالغ فيه، لا يترك لنا كإسرائيليين خياراً سوى مواجهة الانتفاضة».
ومنح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المفتش العام للشرطة يعقوب شبتاي، الصلاحيات بإدخال جنود الجيش الإسرائيلي إلى المدن لقمع المتظاهرين العرب، وذلك على الرغم من معارضة وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس هذه الخطوة، التي من شأنها أن تزيد من حدة التوتر داخل المدن.
وحملت القيادة الفلسطينية الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية انفجار الأوضاع في القطاع وفي الضفة الغربية وفي المناطق العربية في الداخل، واعتبر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال اجتماع للقيادة الفلسطينية، أن القدس خط أحمر، موضحاً أن «الإجراءات الإسرائيلية العنيفة بحق الفلسطينيين في مدينة القدس، تجعلنا بلا سلام واستقرار».
ووفق صحيفة «هآرتس» العبرية، فإن القيادة العسكرية في الجيش الإسرائيلي تنوي وفي ظل تصاعد الهجمات الفلسطينية في المجتمع العربي بالداخل الفلسطيني المحتل، وقف العملية العسكرية على قطاع غزة، بعد حالة الإرهاق والفلتان الأمني الذي أصاب المؤسسة الأمنية والعسكرية في إسرائيل.
في سياق ذلك، قال الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش، إن الفلسطينيين بدأوا فعلياً خوض معركة الكرامة، بعد إصرار الاحتلال على إخلاء عائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح من منازلها وتسليمها لجمعيات استيطانية، في حين أن هناك احتمالات واسعة وتوجها فلسطينيا، إلى تحويل الهبة الشعبية إلى انتفاضة شاملة، تتسع فيها دائرة المواجهة إلى مزيد من المناطق الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل.
وقال أبو غوش لـ»القدس العربي»: «إن حركة حماس استطاعت توحيد عرب إسرائيل، وهو الأمر الذي كان مستحيلاً من وجهة النظر الإسرائيلية» مستدركاً بأن ما يحصل الآن في الداخل الفلسطيني وبالتحديد في مدينة اللد التي تخوض معركة القدس، يعيد الأذهان إلى ما حصل في العام 2000 عندما انتفض الفلسطينيون ضد العنصرية والظلم الإسرائيلي.
وأضاف أن الهبة الشعبية تعتبر الأولى من نوعها التي يشارك فيها جموع الفلسطينيين في آن واحد، فهذه الهبة تساند حماس والمقاومة الفلسطينية على الأقل في هذه اللحظة، لذلك الفصائل ترفض أي جهود للوساطات الإقليمية إلا بعد أن يحقق الحراك أهدافه، وأهمها الحصول على ضمانات بعدم المساس بالوضع القائم في مدينة القدس وحي الشيخ جراح.
ويرى أبو غوش أن الهبة الشعبية في القدس والشيخ جراح، هي لفرض حقائق جديدة على الأرض، متوقعاً اتساع رقعة الاحتجاجات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى داخل المجتمع العربي في إسرائيل، في ظل مواصلة إسرائيل الاعتداء على المقدسات، وفرض تطهير عرقي ضد المقدسيين.
انتفاضة من أجل الأقصى
أما الكاتب والباحث في الشأن المقدسي جمال عمرو فقد أشار إلى أن الأسباب باتت مهيئة لتوجه الفلسطينيين نحو انتفاضة عامة داخل المجتمع العربي ومدينة القدس، اسناداً للأقصى ولكي يثبت العرب في الداخل بأنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني يفرحون لفرحه ويتألمون لألمه.
وقال عمرو لـ»القدس العربي»: «أن ما يجري في كافة المدن الفلسطينية ينذر باندلاع انتفاضة شعبية عارمة على الاحتلال وسياساته العنصرية بحق المدينة المقدسة، والتي تتواصل بالقمع والتنكيل بالمقدسيين وتفتيش منازلهم وهدمها، وتهويد المسجد الأقصى والمناطق المحيطة به، حيث تسطر هذه الهبة ملحمة بطولية بين المواطنين في القدس والداخل الفلسطيني المحتل».
وأضاف أن الاحتلال بأفعاله الإجرامية يشعل انتفاضة فلسطينية في وجهه، في ظل إصراره على تهجير السكان المقدسيين وتغيير الطابع الديموغرافي للمدينة المقدسة، مبيناً بأن ما حصل من أحداث في القدس والشيخ جراح، ساعد على توحيد الفصائل الفلسطينية في وجه الاحتلال، والتي خرجت جميعها للدفاع عن القدس والمقدسيين.
وتوقع عمرو أن تقدم إسرائيل على ارتكاب أفعال اجرامية بحق الشباب المنتفضين، من خلال استخدام الأسلحة النارية لتفريق المتظاهرين وقتل البعض منهم، كما حصل في مقتل الشاب حسونة قبل أيام في المظاهرات التي خرجت في مدينة اللد، وهذا يهدد بتصاعد العنف من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين.
ويرى الناشط المقدسي فخري أبو دياب أن فلسطين بشكل عام سواء الضفة وغزة والداخل المحتل، تقف على أعتاب انتفاضة ثالثة وانفجار جديد يصعب إيقافه، طالما كانت مدينة القدس مفجرة المواجهة وبؤرة الصراع مع الاحتلال، ومن المتوقع أن تمتد شرارة تلك المواجهات إلى باقي المدن الفلسطينية خلال الأيام المقبلة.
وقال أبو دياب لـ»القدس العربي»: «إن الاحتلال كان يراهن على انتهاء شهر رمضان وانسحاب الجماهير الفلسطينية من داخل المسجد الأقصى، كي يواصل مخططاته التهجيرية والاستيطانية في قلب مدينة القدس وحي الشيخ جراح، لكن خروج الجماهير في كافة المدن وتوجيه غزة الضربات الصاروخية للقدس، قلب الحسابات الإسرائيلية».
واستبعد الكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات في حديثه لـ»القدس العربي»: أن تشهد مدن الضفة الغربية أي حراكات، لأن قيادة السلطة الفلسطينية تمنع أي مظهر من مظاهر الاحتجاجات، وتحاول أن تحافظ على مستوى من المظاهرات لا يؤذي إسرائيل، لذلك تتم إعاقة أي مظاهرة تتم الدعوة إليها، لتشتبك مع قوات جيش الاحتلال قرب المستوطنات.
وأوضح أن ما يدور حالياً من أحداث، هي بمثابة هبة شعبية عفوية نيابة عن الكل الفلسطيني، وقد تتطور مستقبلاً لتكون انتفاضة شعبية رفضاً للظلم وسلب الحقوق، ولن تؤدي هذه الهبة إلى انتفاضة ثالثة، بل ستعمل إسرائيل على السيطرة لاحقاً على تمددها بالقوة.