د. فوزي ناجي: عشتار اعادت القضية الفلسطينية الى الذاكرة الأوروبية
د. فوزي ناجي
قدمت الفرقة المسرحية الفلسطينية عشتار عرضا لمسرحية “48 دقيقة من اجل فلسطين” على مسرح مدينة هانوفر الألمانية يوم الأربعاء الماضي. كما قدمت يوم الخميس عرضها المسرحي الثاني على نفس خشبة المسرح بعنوان “مونولوجات غزة”و بعدها عرضت “مونولوجات سورية”. تأسست هذه الفرقة عام 1991 في مدينة القدس و يعتبر مسرح المضطهدين احد ابرز برامجها التدريبية و الإنتاجية منذ عام 1997.
تعني كلمة عشتار عند البابليين الهة الحب و الجمال و الخصوبة و التضحية. و قد اطلق اسمها في القرن السابع قبل الميلاد على اشهر بوابات العاصمة بابل. يستطيع الزائر مشاهدة نسخة منها في متحف العاصمة الألمانية برلين.
يُظهِر الفلسطينيون حبهم اللامحدود لوطنهم في كل المناسبات و الأزمنة و الأماكن التي يتواجدون فيها، و يرضع أطفالهم الذين ولدوا خارج فلسطين هذا الحب ممزوجا بحليب امهاتهم لكي يستعصي عليهم نسيان وطنهم. و يتغنى شعراء و ادباء فلسطين بجمال وطنهم و لا يرضون له بديلاً. كما ضحى الفلسطينيون بالآلاف من خيرة بناتهم و ابناءهم فداءً للوطن. و ينجبون المقاومين للاحتلال و الاضطهاد والعنصرية، مما يؤرق المحتل و يرفع درجات الايمان بالحرية و الاستقلال عند الشعب الفلسطيني.
خلال 48 دقيقة تم استعراض قضية فلسطين منذ وعد بلفور عام 1917 الذي وعد به البريطانيون اليهود في انشاء وطن قومي لهم في فلسطين حتى يومنا هذا، كما تعرضت المسرحية الصامتة التي تعتمد على لغة الجسد للصراع على الأرض و المصادر المائية بين الطرفين. أظهرت المسرحية تقديم الشعب الفلسطيني المساعدات الإنسانية لليهود الذين قدموا الى فلسطين منذ بدايات القرن العشرين نظرا لاضطهادهم في دولهم الأصلية في أوروبا، كما بينت مقاومة الشعب الفلسطيني للمشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني منذ بدايته.
من اهم ما يميز هذه المسرحية هو بعدها المستقبليو الرسالة التي تحملها و طرحها التساؤلات التالية على الجمهور:
هل تعتقدون انه يحق لليهودي الذي فقد وطنه في أوروبا الحصول على وطن الفلسطينيين؟
هل تعتقدون ان لكم دوراً في حل المأساة الفلسطينية؟ اذا كان الجواب بنعم فماذا تريدون ان تفعلوا؟
هل تريدون الانتظار حتى يُطرد جميع الفلسطينيين من وطنهم؟
شكلت هذه الأسئلة مواضيع النقاش الرئيسية الذي جرى بين الفنانين المبدعين رهام اسحق و أدوار معلم مع الجمهور الألماني.
تروي “مونولوجات غزة” قصص الحروب الإسرائيلية على القطاع التي دمرت الحجر و قتلت البشر و لكنها لم تستطع القضاء على روح المقاومة. حيث اصبحالصمود البطولي لأهلنا في غزة مثلاً يحتذى في مقاومة العدوان و التضحية بالغالي و النفيس من اجل تحرير الوطن و العيش بحرية و كرامة.
لقد لقيت “مونولوجات غزة” اهتماماً عالمياً واسعاً و عرضت في 49 دولة و امام الجمعية العامة للأمم المتحدة و قدمت بأربعة عشر لغة.
في العرض المسرحي الذي عرض في هانوفر كان لافتاً للانتباه القوة و العنفوان في الأداء للفنان خليل عوض خليل البطران و زميله مجدي نزال و زميلتيه ياسمين شلالدة و رنا برقان مما حدا بالجمهور الى السؤال عن سبب ذلك خلال النقاش الذي جرى بين الفنانين و الجمهور بعد انتهاء العرض. لقد أوضح خليل بان شخصيته تحتوي على شخصين، خليل الأول و هو اخوه الذي استشهد اثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى و يطلق عليه اسم خليل الأول، و يطلق على نفسه لقب خليل الثاني. كانت الشخصية التي قدمها على خشبة المسرح تشمل الخليلين.
“مونولوجات سورية” طرحت الأزمة السورية الراهنة التي لا نزال نعيش فصولها و كانت نتيجة لعمل الفرقة في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن.
بطريقة فنية رائعة اعادت هذه العروض المسرحية القضية الفلسطينية الى الذاكرة الأوروبية بعدما هُمشت بفعل الأحداث الدامية التي تجري على الأرض العربية في سورية و العراق و اليمن و ليبيا.
الرحمة للشهيد خليل و لجميع شهدائنا الفلسطينيين الذين رووا بدمائهم ارض الوطن و أشعلوا شموع الحرية. و كل الأمنيات الطيبة بالتقدم و النجاح للفنانين المبدعين خليل البطران و رهام اسحق و أدوار معلم و ايمان عون و ياسمين شلالدة و رنا برقان و مجدي نزال و المخرج محمد عيد. لقد جسدوا جميعاً الفن الملتزم الهادف الذي يتحسس هموم الشعب و يطرح امانيه و طموحاته و يجعل الفن نوعا فعالاً للمقاومة. انهم جميعاً يستحقون التحية و المحبة و الاحترام و التقدير و الدعم و المساندة.
* مدير المعهد العربي في مدينة هانوفر الألمانية
