التنوع الفكري … والفوضى الفكرية !!!
ان التنوع في الممارسة الفكرية هو تعبير عما اعتاد عليه الناس من مزاولة التفكير والتأمل والتحليل وغيرها من العمليات الفكرية وذلك فيما يطرح ويهمهم من قضايا واحداث وازمات واوضاع في الحياة ونظراً لتفاوت الفهم والادراك بين الناس وتباين الامكانيات والاهتمامات بينهم وتعدد وتنوع الابعاد والاهداف والغايات في القضايا المطروحة فإن من الطبيعي ان تكثر الاراء والطروحات وتتنوع الافكار بين الافراد .
وهناك من الاشخاص من يتخذ مواقف حادة وحاسمة في بعض القضايا الفكرية التي يطرحونها استناداً على رغبتهم وتصورهم بحيث لا يقبل النقاش فيها ولا يحتمل اي رأي آخر يعاكس او يناقش ذلك ويبالغ آخرون ممن يؤيد هذا الطرح بحيث ينصبون انفسهم قضاة في محكمة الافكار يتوافقون معها دون ردها او النقاش فيها بأسلوب الاقناع والحوار البناء او الحكم بصحتها او خطئها مع بيان ما يسند اليها من حجج اي تصبح هناك فوضى فكرية يصعب ضبطها وتصبح مدار حديث الناس في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية حسب نوع الطرح وخصوصيته ومن المعروف ان قضايا الفكر مختلفة ومتنوعة ولا تخضع كلها لمناهج رياضية جامدة او موازيين صارمة .
فهناك قضايا فكرية تتنوع اتجاهها نحو آفاق التأمل وأمعان النظر وتتعدد بشأنها مسارب التفكير حيث أن الفكر البشري سواء كان يخضع للمنهج الاستنباطي اوالاستقرائي او غيره فانه طالما كان الموضوع للتعاطي فأنه سيحظى بالتفسير والاستنتاج والتعميم فإنه سيكون مسرحاً للاختلاف في الفهم او التنوع في التفسير والاستدلال والاستنتاج .
ونلاحظ ان التنوع الثقافي والفكري في مجتمعاتنا في ازدياد مع ازدياد مسميات هذه التيارات التي تحمل رؤى فكرية او ثقافية او اقتصادية او سياسية ومن اهم الاسباب التي اسهمت في تطور ونمو هذه الظاهرة الفكرية والثقافية المتنوعة للعقل هو تقنية التكنولوجيا المتطورة والمتنوعة التي ذللت البعد الجغرافي بين المجتمعات اينما كانت داخلية وخارجية واحدثت ثورة معلوماتية غيرت كثيراً من المفاهيم التي كانت سائدة في العقل البشري وألغت الحواجز التي كانت تمنع التلاقي الفكري والمعلوماتي بين المجتمعات والشعوب .
ان اهم ما يدعم الحرية الفكرية هو الحجة والبرهان والصحة والدقة والخطأ حتى تستطيع ان تتعايش التيارات الفكرية المختلفة داخل اطار واحد فمثلاً الاسلام يؤسس قيم المنظومة المعرفية استناداً الى ركيزة اساسية هي ( لا إكراه في الدين ) وتنبثق من هذه القيمة العليا الكثير من المفاهيم والقيم الفرعية كالاحترام المتبادل والثقة والتعاون وحسن الظن وغيرها من المفاهيم التي تركز على مبدأ قبول الاختلاف والتعاطي معه بعقل منفتح .
علماً بأن الاختلاف في الفكر والتنوع في الثقافات من أبرز عوامل التطور داخل المجتمعات المتقدمة وبقدر ما يكون المجتمع متسامحاً فكرياً وقادر على تقبل اختلاف الاراء والنظريات بالقدر ذاته يمكنه بناء مسيرة تطوره وتقدمه واداء رسالته الثقافية والفكرية والحضارية .
المهندس هاشم نايل المجالي