هل المؤتمر العام الثامن لحركة فتح سينهي فتح كحركة تحرر لتتحول إلى حزب سياسي يتساوق مع التغييرات السياسية القادمة في المنطقة؟

بقلم د. تيسير فتوح حجة  …..

الأمين العام لحزب العمال الفلسطيني
تعيش حركة فتح واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا منذ انطلاقتها، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتغيرات عميقة في شكل الصراع الفلسطيني وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني. ومع اقتراب المؤتمر العام الثامن، تتزايد الأسئلة حول مستقبل الحركة، وما إذا كانت فتح تتجه نحو إعادة تعريف نفسها كحزب سياسي تقليدي، بدلاً من بقائها حركة تحرر وطني قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة.
لقد نشأت فتح كحركة تحرر وطني تحمل البندقية والفكرة معًا، واستطاعت أن توحد الفلسطينيين حول مشروع التحرر والاستقلال، وأن تحافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية في أصعب المراحل. لكن التحولات التي أعقبت اتفاق أوسلو، ودخول الحركة في مؤسسات السلطة، نقلت فتح تدريجيًا من حالة الثورة إلى حالة السلطة، ومن مشروع التحرر إلى إدارة الواقع السياسي والاقتصادي والأمني المعقد.
المؤتمر الثامن لا يأتي في ظروف طبيعية، بل يأتي وسط حالة من التراجع التنظيمي، والانقسام الداخلي، وضعف الثقة الشعبية، وتنامي حالة الإحباط داخل القاعدة الفتحاوية نفسها. كما يأتي في ظل ضغوط إقليمية ودولية تسعى لإعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا، ضمن رؤية جديدة تتحدث عن “الاستقرار” و”الإدارة المدنية” و”الحلول الاقتصادية”، أكثر مما تتحدث عن التحرر الوطني والمقاومة وإنهاء الاحتلال.
السؤال الأخطر اليوم ليس فقط من سيقود فتح، بل أي فتح ستخرج من المؤتمر الثامن؟
هل ستبقى حركة تحرر وطني تقود مشروعًا فلسطينيًا مقاومًا للاحتلال؟ أم ستتحول فعليًا إلى حزب سياسي مرتبط بإدارة السلطة ومتطلبات التمويل والتنسيق والتوازنات الإقليمية؟
هناك مؤشرات واضحة تدفع نحو هذا التحول، أبرزها تراجع الخطاب الثوري لصالح الخطاب الإداري والسياسي، وإعادة إنتاج النخب ذاتها، وتغليب المصالح التنظيمية والشخصية على المشروع الوطني الجامع. كما أن غياب التجديد الحقيقي داخل الحركة، وإقصاء الكفاءات والكوادر التاريخية، يفتح الباب أمام مزيد من فقدان الثقة الشعبية، خصوصًا لدى جيل الشباب.
إن أخطر ما قد تواجهه فتح ليس الانقسام فقط، بل فقدان هويتها التاريخية كحركة تحرر. فالحركات الوطنية عندما تتحول إلى أحزاب سلطة دون مشروع وطني جامع، تصبح أكثر عرضة للتآكل الداخلي وفقدان تأثيرها الجماهيري. والتاريخ مليء بتجارب حركات تحرر تحولت إلى أدوات إدارة سياسية فاقدة للزخم الشعبي والثوري.
لكن رغم ذلك، ما زالت فتح تملك القدرة على استعادة دورها التاريخي إذا أدركت خطورة المرحلة، ونجحت في إجراء مراجعة وطنية وتنظيمية شاملة، تعيد الاعتبار للنضال الوطني، وللشراكة الداخلية، وللديمقراطية التنظيمية، وللكفاءات الشابة، بعيدًا عن سياسة التوريث والاستزلام ومراكز النفوذ.
إن المؤتمر الثامن سيكون لحظة فاصلة، ليس فقط في تاريخ فتح، بل في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني كله. فإما أن يكون مؤتمر إنقاذ وتجديد يعيد للحركة روحها التحررية ودورها الوطني، أو يتحول إلى محطة تعلن الانتقال النهائي من حركة تحرر وطني إلى حزب سياسي يتكيف مع الوقائع الجديدة في المنطقة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والتاريخية تقع على عاتق أبناء فتح الحقيقيين، الذين حملوا المشروع الوطني وضحوا من أجله، لمنع انزلاق الحركة نحو فقدان دورها وهويتها، لأن سقوط فتح كحركة تحرر لن يكون خسارة تنظيمية فقط، بل خسارة وطنية فلسطينية كبرى.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا