الكاتبة المغربية فاطمة الزهراء الرياض: الكتابة تمرد والمرأة تعمل من خلاله لكشف فظاعة معاناتها وسط مجتمعاتنا الذكورية

شبكة وهج نيوز – عمان – رأي اليوم ـــــ حاورها من باريس ـــ حميد عقبي:
يغزو الفكر الداعشي المتطرف ليبدد نور حضارتنا العربية محاولا هدمها مستغلا حالة خمول وفساد الهيئات الإدارية الثقافية الرسمية وبقاء الكثير من رموز الثقافة والفن والفكر العربي في سماء عالية رسمية بل بعضهم صنع من ولنفسه عروشا خرافية فخمة فانقطعت صلتهم بهموم وقضايا إنسانية وجوهرية وقاطع الناس كتاباتهم وقل تأثيرهم، بينما يظهر الجيل الشاب المثقف الجديد قادما من رحم المعاناة اليومية لا يمتلك المال ولا الشهرة يجدف في جو عاصف وشائك محاولا زرع قيم الحب والجمال ليشعل ولو شمعة تُعيد لحضارتنا وثقافتنا بهائها.
نحلق اليوم في سماء المغرب العربي الحبيب مع كاتبة شابة بنت “مكناس″ .. مدينة التصوف والقصائد والألحان الروحية، صدرت لها “فاتح شهية” و “علاقة غير شرعية” و رواية “تراجيم” وقريبا مجموعة قصصية ثالثة بعنوان ” لقاء يفك أزرار السماء” ضيفتنا فاطمة الزهراء الرياض ستتطرق في حديثها لعرض مختصر لتجربتها الأدبية كما نناقش معها قضايا عديدة، نحاول في هذه النافذة الإبداعية أن نتلمس هموم الجيل الشاب وطرق تفكيرة والتعرف على التجارب ونتمنى أن نواصل معكم مستقبلا مع وجوه حالمه من مشارق ومغارب كوكب الثقافة والفنون العربية.
*ينتقل الفكر الداعشي المتطرف والغلو الديني بشكل متسارع ما واجب المثقف العربي اليوم؟
أعتقد أن دور المثقف اليوم هو التروي في إصدار أحكامه ورؤاه؛ مثقفو اليوم لا يتنازلون عن بروجهم العالية لاستقراء عميق للصورة المجتمعية المعاصرة؛ وبعضهم يسارع كذلك في إطلاق الأحكام السطحية وأغلبهم لا يشاركنا برأيه ولو بعد حين.. ثمة أزمة تعاني منها الثقافة في المغرب وهذا ما ينعكس بصورة أو أخرى على “حاملي” هذه الثقافة ! الفكر الداعشي أو التطرف التحرري هما وجهان لذات العملة وهما لا يحملان في طياتهما إلا الاقصاء والكراهية ما لا ينبغي أن تتقبله روح “المثقفين” التواقة إلى المبادئ السامية للإنسانية والحياة عموما.. لا أجد أبلغ مما قاله الفيلسوف والأديب المغربي “محمد عزيز الحبابي” ” كل مدينة يهرب مثقفوها من تحمل المسؤوليات لابد أن يسود فيها الظلم ويسيطر الإفك؛ المجرمون يجدون من يبرر أفعالهم..والابرياء؛ لا يأبه لهم أحد..”
*ما المقلق في كتاباتك..ومن أين تستقي أفكاركِ؟
الكتابة بحد ذاتها قلق مبهج مستدام؛ فالحرف يتغذى من أسئلة الكاتب المؤرقة .. لذلك فجل كتاباتي تنطلق من سؤال محوري صامت يستدل بالسرد ليثبت فلسفة ما؛ التشكيك في كل ما هو عرف ويومي.. إني حين أضع أسئلتي العملاقة بوابة لكل نص أجد متعة في كشف خبايا السؤال بعيدا عن كل نهايات جاهزة.. أكتب لاستفز القارئ ولأضع نصب عينيه بعضا من همومي الشخصية عساها تصبح كونية إن هي لامست وتره الحساس..
*ما تأثير البيئة المغربية على كتاباتك؟
الأدب المغربي هو أدب عريق وله نكهته الخاصة وتوابله اللذيذة التي تشكل خصوصيته؛ شكري و الزفزاف و بوزفور ..ربيعة ريحان ليلى أبو زيد وغيرهم مما لا تسعفني ذاكرتي لاستحضار أسمائهم ما هم إلا النخبة التي تمكنت فعلا من نحت جيل مبدع قادر على حمل ذات الهموم الابداعية ليعطيها كونية أكثر.. البيئة المغربية هي كل هذا الخليط من الأدباء والشعراء داخل هذا النسق من العمران والثراث العريقين؛ في منظومة مجتمعية تحاول الوقوف على ساق الأصالة بيدي المعاصرة .. هذا التوازن الشبه مستحيل والسائد بأيامي هو ما جعل كتاباتي متمردة أحيانا .. متناقضة أحيانا أخرى.. كاشفة لمناطق الألم مستمدة من كل هذه الصراعات التي يعيشها مغربي اليوم.. بين حفاظه على أصالته ومواصلته في طريق العصرنة؛ بين تشبثه بأعرافه ورفضه الهجين منها.. بين حنينه المتواصل لتقاليده وبين رغبته في تطوير سلوكياته نحو سلوك التسامح والانسانية التي طالما تشرب منها في تاريخه هو ما يعطني مساحة حرية لانتقد سلوكياتنا برؤية أدبية خاضعة لمنطق السن والحكمة لدي !
*المغرب ثري وغني بتراث شعبي شفهي.. كيف تنظرين لهذا الموروث؟ هل من سعي لحفظه والاستفادة منه؟
التراث الشعبي الشفهي ب”أمثاله” و “زجله” هو حاضر في كتاباتي بلاوعي متماهيا في نصوصي؛ إنها خلفية سميكة تربيت عليها خصوصا وإني ابنة مدينة عريقة وعتيدة الجمال ك”مكناس″ .. مدينة التصوف والجاذبين.. موسيقى الملحون بقصائده من العارفين بالحب والتصوف لا يمكن لذلك إلا أن يكون أرضية حالمة أستند إليها لأرص قصصي بفسيفساء الحكمة.. استنادا إلى جدتي “التحفة النادرة” والتي أرجع إليها لأنهل من الزمن المغربي الأنيق..
كل كاتب مغربي عليه أن يحمل هم تبليغ ولو شق منه.. أن يساءل الموروث و ينتقده وينقب عن مواضع الجمال والنادر فيه؛ في الحقيقة هناك أشياء لا تنقرض.. حين تكون مغربيا فأنت كومة من الموروثات الشفهية بمختلف ثقافات هذا البلد..
*توجد شكاوي من مبدعين ومبدعات بقلة الدعم الرسمي لهم ..ما البدائل أمامكم كشباب وخصوصا الكاتبات؟
الحديث عن الدعم هو في الحقيقة حديث “عربي” ذو شجون؛ ونحن إذ نطرحه فإننا أمام بديهيات أجوبة وزارة الثقافة والتي لا تستقصي الكاتب الشاب فقط بل تنهج سياسات سوريالية لا تمس واقع الكاتب الشاب والكهل بأي حال !
نحن خلصنا منذ زمن إلى لا جدوى طرح مثل هذه الأسئلة؛ وكان أمام أغلبنا خيارات بمجهودات فردية بحتة؛ فلكي تثبت ملكاتك الابداعية عليك أن تكون محاربا جهبيذا لتوصل صوتك لمن كتبت عنهم ولهم و بذلك أيضا قد تثبت أنك جدير بلقب “كاتب” .
*ما هي الهموم المقلقة في الانتاج الابداعي للكاتبات المغربيات اليوم كيف يتم التعبير عنها؟
هموم المبدع هي دائما واحدة ولا تستند لتقسيمات جنسية؛ هذا طبعا ما ينبغي أن يكون.. ولكن حين تكون الكتابة داخل مجتمع ذكوري له نزعة استقصائية فالهموم تتخذ أشكالا أخرى .. وهي لن تكون أرقى من أن تكتب ! فالكتابة بحد ذاتها تمرد ونضال مستميت تحاول من خلاله المرأة أن تكشف فظاعة وفداحة معاناتها وسط المجتمعات.. هي صوت اللواتي يعشن أحزانهن بابتسامة ملونة .. للواتي يعشن بقلب متضخم بالألم مسترسل بالصبر والتعود.. للواتي يخذلهن الحب فتتنهدن برئة عليلة ومع ذلك تجدهن في الحافلات والمقاهي و على الفيسبوك بثقة وأمل كبيرين
*هل توجد مسارات أدبية جديدة؟
الأدب في تجديد دائم يسعى إلى البحث عن طرق تعبير جديدة مطورا لنفسه خدمة له؛ أظن على الكاتب أن يبحث عن آليات تطويره لكن دون المس طبعا بالقيمة السامية الكبرى للأدب ولغاياته الانسانية الجوهرية..
*حدثينا عن تجربتك الادبية ومنابع هذه التجربة وأهم الانجازات؟
تمخض عن مكوثي النوعي في هذه الحياة مجموعتين قصصيتين “فاتح شهية” و “علاقة غير شرعية” و رواية “تراجيم” صدرت بطبعتين.. كذلك كتاب جماعي لمدونين فيسبوكيين يصنف في خانة “الخواطر الفيسبوكية اليومية”.. وقريبا مجموعة قصصية ثالثة بعنوان ” لقاء يفك أزرار السماء”..
أهم إنجازاتي بالتأكيد هو ما لم أكتبه بعد..
*ماذا عن كتابك “فاتح شهية” وما أهم ما يطرحه وماذا عن رحلتك في إيجاد ناشر؟
“فاتح شهية” هو مجموعة لنصوص أدبية تمردت على التصنيف؛ كنت كمن يقول كل شيء بدفق واحد منفلت .. مثل رصاصة طائشة تفتح شهيتك على التصويب نحو المؤلم في الحياة ..
رحلتي في إيجاد ناشر كانت صدفا آمنت بما كتبت وبعيدا عن التجارية فالكاتب المغمور يظل حبيس تلك الفرحة الميتافيزقية المتعالية عن كل ماهو مادي.. عساني وإياه يوما ما نفكر في مردود حقيقي معيشي من “الفكر ” والادب ..
*تكثر المهرجانات الشعرية الفخمة.. هل من ثمار تعود على المشهد الشعري العربي؟ هناك من يرى في هذه الملتقيات دعاية وسياحة وتسيسها المحسوبيات والشليلية ما رأيك؟
أسمع عنها بالفعل وهي كذلك إلا من استثناءات حقيقية؛ أصدقك القول أن ما نشاهده يبخس الشعر ويقلص من سموه وعفويته ولكن مجالس الشعر كانت منذ الازل نخبوية ولها مريدوها.. الشعراء الحقيقيون لا يسعون للمجد.. مخلوقات متهالكة في القلق والأرق لا تستهويهم السياحة ولا المباهج الحياتية؛ هم من يكتبونه بدماء ممهورة في الصدق .. يعيشون حياة الأديب المنعزل والصامت؛ ذاك من يقود حياته لمشتل حلم وقصائد.. هؤلاء موجودون بيننا حقيقة لكننا لا نسمع عنهم في ركح المسارح وعلى موائد الملتقيات..
*المرأة المغربية هل تجاوزت القيود؟ وهل هي قريبة من الثقافة والأدب؟
هل من تصادم مع الرجل في الكتابات النسوية المغربية؟
المرأة المغربية هي “امرأة” بكونيتها تجاهد ما استطاعت إلى الظفر ببعض من حريتها في ظل المساواة والقانون؛ المرأة المغربية هي شخصية قيادية وعملية ممزوجة بالجمال والحنكة والصبر.. هي مزيج هائل من التفاني الأسري والنضال السياسي و الأدبي كذلك.. فهي تسعى دائما للكمال والارتقاء فتجدها في وطني وقد استحقت وظائف وشغلت مواقع حساسة بجدارة..
هي قريبة من الحياة العملية أكثر منها للحياة الأدبية الحالمة ! .. ربما لأن الكتابة في التمثل المغربي “هواية” وليست “حاجة” ..
أنا أرفض رفضا قاطعا تصنيف الكتابات لنسوية وذكورية ..لأن الكتابة توق إنساني صاف كوني؛ وعلى الرجل أن يتعامل مع نتاجات المرأة بالكثير من الحكمة والتسامح سواء كانت نتاجات إبداعية أو غيرها..
*ماهي المؤثرات لتي تلعب دورا مهما في كينونة الكتابة أو الشاعرة المغربية؟
المجتمعات محرك دينامي لأسئلتها اليومية وهي كذلك من تحفز ملكة الكتابة لديها.. إن الآخرين عموما بحضورهم أو غيابهم هم من يستفزون البوح ويجعلونه محكا حقيقيا للتعبير عنه .. هي أحزان وآلام تستحق أن تتخذ هامشا لنفضحها.. نحن نكتب أصلا لأننا مخلوقات هشة ومتناهية في الحساسية وكل ما يحدث حولنا ينعكس بأرواحنا العميقة ليسكننا لعنة قد تكون للأبد..
*ينشط البعض بنشر نصوصه على الفيسبوك وقد ينال بعضهم شهرة وجمهورا؛ كيف تنظرين لهذه الظاهرة؟
قديما كان الشعر يعلق بجدار الكعبة.. الفيسبوك كذلك؛ ظاهرة صحية قد نفضت الغبار عن مواهب تستحق الالتفات..
الاستسهال في الكتابة والغلو في الالقاب الشعرية لا يتطلب إلا مزيدا من الوقت لصحو جماعي بغية الرقي بالفنون؛ إنما وجودهم هو من يخلق هذا الجدل الذي يخدم المشهد الأدبي العربي عموما والمغربي على وجه الخصوص..

قد يعجبك ايضا