لماذا سار محمد الشوربجي على خطى الهاربين من مصر؟
الشرق الأوسط نيوز : وجه أسطورة الاسكواش والمصنف الثالث عالميا محمد الشوربجي، الصفعة الكبرى للرياضة المصرية بوجه عام والاتحاد المحلي للعبة على وجه الخصوص، بالتوقف عن تمثيل الفراعنة في المحافل والبطولات العالمية، لبدء حياة جديدة تحت مظلة العلم البريطاني، كأول لاعب في تاريخ أسياد اللعبة يُقدم على هذه الخطوة، تاركا عشرات الملايين من الاسكندرية إلى بلاد النوبة يضربون أخماسا بأسداس، وأضعافهم في العالم الافتراضي في حالة انقسام، ما بين فئة لم تستوعب هول الصدمة، وأخرى نهشت ظهر المسكين، بوضعه في إطار «الخونة والعملاء والممولين».
وفي عالم مواز، وقف العقلاء على مبدأ «الحياد»، بتوجيه الشكر للأيقونة على كل ما قدمه من إنجازات وبطولات عالمية باسم الوطن، مطالبين الأجهزة والمؤسسات المعنية في الدولة، بضرورة إعادة النظر حول المنظومة الرياضية برمتها، أو على أقل تقدير، توفير ما يكفي من دعم ورعاية واهتمام بالأبطال وأصحاب المواهب الحقيقية، لوقف ظاهرة تخلي الرياضيين المصريين عن جنسيتهم الرياضية، بالأحرى لتجنب الاستيقاظ على كارثة كل عام، كما سنستعرض معا النماذج وأسباب الهروب.
وحش الأسكندرية
وُلد محمد الشوربجي في العاصمة الثانية الاسكندرية في يناير/كانون الثاني 1992، لأسرة ميسورة الحال، يعولها الأب المكافح في الغربة هناك في الولايات المتحدة، فيما كانت الأم تُشرف على استثمار العمر، بتقديم ما يكفي من دعم واهتمام للابن الأكبر لمساعدته في تحقيق حلمه، بالسير على خطى مُلهم شباب الألفية الجديدة أحمد برادة. وبدأ الحلم في مدينة بريستول الإنكليزية عام 2006، ورغم أنه تعلم أبجديات اللعبة وأصولها على يد مدربين إنكليز، إلا أنه فَضل تمثيل علم الوطن، ليصبح الباقي تاريخا، بانفجار موهبته على مستوى بطولات العالم للناشئين، محتكرا بطولة العالم مرتين على التوالي عامي 2008 و2009، كثاني لاعب في التاريخ يفعلها بعد مواطن الأمس رامي عاشور، نفس الخصم العنيد، الذي حرم «وحش الأسكندرية» من الجلوس على عرش الكبار مرتين عامي 2012 و2014، قبل أن يصعد نجم الشوربجي عاليا، بأخذ صدارة التصنيف العالمي في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، ذاك الإنجاز الذي كرره أكثر من مرة، آخرها في يوليو/تموز الأخير، بخلاف عشرات الألقاب التي حققها لمصر، والتي وصل عددها 44 بطولة دولية، أبرزها بطولة العالم في مدينة مانشستر عام 2017، التي اقتنصها من شقيقه الأصغر مروان في المباراة النهائية، وكذا بطولة بريطانيا المفتوحة 3 مرات، وبالمثل بطولة أمريكا المفتوحة.
صدمة جديدة
وبعد إخفاق منتخب مصر لكرة القدم مرتين في الربع الأول لـ2022، بالهزيمة أمام السنغال في نهائي أمم أفريقيا وفاصلة مونديال قطر، ثم خسارة الأهلي أمام الوداد في نهائي دوري الأبطال، جاء الشوربجي، ليضاعف أحزان الشارع الرياضي المصري، ليس فقط لقسوة وصعوبة مشاهدة بطل عالمي بهذه القيمة يذهب لتمثيل بلد آخر، بل للأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا القرار الصادم، والذي جاء كالصاعقة على وسائل الإعلام المحلية، لتطابقه مع نفس القصص والأسباب القديمة، التي دفعت عشرات الأبطال المميزين في مختلف الألعاب الفردية والجماعية، للتنازل عن جنسيتهم الرياضية المصرية، لتحقيق أحلامهم في دول أخرى، الفارق بين الشوربجي ومن سبقه، أنه انتقى كلماته بكل أدب واحترام، لتبرير قراره، لكن في الأخير، تم إيصال الرسالة بنجاح، بإلقاء الجزء الأكبر من اللوم على المسؤولين في اتحاد اللعبة وأصحاب القرار في الرياضة المصرية، كما وصف مشاعره بتجاهل صورته وسط سفراء مصر البارزين في مختلف المجالات في مطار القاهرة، رغم وجود أسماء بالجملة أقل منه شهرة وتحقيقا للإنجازات باسم مصر، فضلا عن علامة الاستفهام الغريبة التي وضعها أمام الجميع، بعدم حصوله على دعم مصري طوال مسيرته في أعلى مستوى تنافسي، معتمدا على الله وعلى الرعاة الأجانب، ليبقى صامدا في هذا المستوى على مدار عقد ونصف العقد، تلك الجملة التي كررها أكثر من مرة في حواره مع «بي بي سي» «لم أجد الدعم أبدا من مصر»، رغم حاجته الماسة لدعم إضافي في مرحلة ما بعد الـ30 ربيعا، حتى يستطيع الحفاظ على قوته الذهنية والبدنية، على طريقة كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي وكريم بنزيمة وباقي نجوم كرة القدم، الذين يتعاملون مع العمر على أنه مجرد رقم، بفضل الرعاية الصحية والغذائية شبه المثالية، وهذا ما حاول العثور عليه في وطنه، وبعدما أيقن أن البقاء في مصر لن يساعده على أخذ القفزة التي يبحث عنها في سنواته الأخيرة الاحترافية، قرر تحويل مساره إلى العلم الإنكليزي، بعد حصوله على أبسط ضمانات الرياضي المحظوظ في الدول التي تُقدر المواهب النادرة، بالتكفل بعلاجه، إذا لا قدر الله تعرض لإصابة أثناء دفاعه عن المنتخب في أي مباراة، وبالطبع امتيازات مادية أخرى، تجنب الحديث عنها، احتراما لمشاعر أبناء وطنه، ومع ذلك، لم يسلم من سهام النقد الجارح في الساعات التي تلت الأزمة، إلى جسد اتحاد الاسكواش المقولة المأثورة «جاء يكحلها عماها».
جاءنا البيان الساخر
هكذا وصف الرأي العام والجمهور الرياضي، البيان التعيس، الذي خرج به اتحاد الاسكواش لتجميل صورة الأشخاص بعد الكارثة، بمعنى آخر، لتحريض الناس على الشوربجي، بوضعه في صورة العميل، الذي تحايل على الوطن لأكثر من 10 سنوات، حتى تأتي اللحظة المناسبة لتنفيذ خطته، بتركه يعيش بحريته في إنكلترا لحين بلوغه سن التصالح للحصول على الإعفاء النهائي من الخدمة العسكرية، وسبقها كما جاء في البيان: «في فترات مختلفة كان اللاعب يطلب مساعدات من الاتحاد، على سبيل المثال عند فقده جواز سفره في هونغ كونغ بديسمبر/كانون الأول 2015»، مع تأكيد أنه كان «يحصل على العديد من المساهمات المالية من الاتحاد المصري، طبقا للوائح والصادر بها قرارات من وزارة الشباب والرياضة على مدار الأعوام الماضية، وكذلك سداد رسوم الاشتراك السنوي في منظمة اللاعبين المحترفين PSA، وقد تم تكريم اللاعب من الرئيس عبدالفتاح السيسي وحصل على وسام الرياضة من الدرجة الأولى في 1 يناير/كانون الثاني 2018، مع العلم أن أخاه الأصغر مروان كانت استجابته سريعة دائما في تواجده مع المنتخب وحصوله على البطولات، وآخرها في فرنسا 2017 المركز الأول»، مع ذلك، جاءت ردود الأفعال في البرامج الرياضية و«التوك شو» عموما، عكس الرسالة التي أرادها اتحاد الاسكواش والمسؤولين عن الرياضة في البلاد، باستثناء أحمد حسام (ميدو)، الذي راهن على ندم الشوربجي في المستقبل. وفي اليوم التالي، أقر بنفسه، أن ردود الأفعال في عالم «السوشيال ميديا»، تميل أكثر لمصلحة اللاعب، بوضع مقارنة بين أسباب خروجه وبين حجج اتحاد اللعبة للتنصل من المسؤولية أمام الرأي العام، في ما ظل القاسم المشترك بين المؤيد والمعارض، هو ما سردنا أعلاه، إيجاد حل أو طريقة لوقف مسلسل الهروب الجماعي للمواهب الرياضية المميزة، كما تتعالى الصرخات منذ سنوات للحفاظ على العقول البارعة في مختلف المجالات، أبرزها في العشرية الأخيرة فئة الأطباء والمهندسين المبدعين.
أكثر من شورجي
لا شك أبدا، أن قرار الشوربجي لن يغير كثيرا من وضع مصر، خاصة في لعبتها المفضلة عالميا، بالاستحواذ على نصف قائمة العشرة الأوائل المصنفين عالميا على المستوى الرجالي والنسائي، وأيضا الخوف أو الحزن، ليس من فكرة تخلي الشوربجي في حد ذاتها عن الجنسية المصرية، بل ناقوس الخطر، من فكرة الزيادة المرعبة في أعداد الرياضيين الهاربين من ضعف الإمكانيات الإهمال والتعقيدات الإدارية في مصر، والأكثر خطرا، زيادة ظاهرة نماذج الأبطال الحقيقيين، الذين حققوا نجاحات فاقت كل التوقعات بعد قصص كفاح في الخارج، لعل أبرزهم ذاك الاسم المتداول بكثافة في وسائل الإعلام في مصر على مدار الأسبوع الماضي، طارق عبدالسلام، المصارع الذي حقق لمصر ذهبية الألعاب الأفريقية في الكونغو، وفضية بطولة بلغاريا الدولية وبرونزية دورة البحر المتوسط وغيرها من البطولات، وفي الأخير، رفض اتحاد اللعبة التكفل بعلاجه، رغم إصابته في مباراة رسمية تابعة للمنتخب، ليقرر التوقف عن ممارسة المصارعة، متجها إلى بلغاريا، ليكسب رزقه بالعمل في محل شاورما، ومع وصول قصته إلى الاتحاد البلغاري، عرضوا عليه المساعدة مقابل تمثيل العلم في المحافل الدولية، ولأنه بشر وإنسان مكافح في الحياة، مثلنا جميعا، لم يتردد في الموافقة، ليرد الإحسان بالإحسان، بتحقيق ميدالية ذهبية أوروبية في مايو/أيار 2017، وإلى الآن يبصم على مسيرة رياضية مشرفة.
وسلك نفس الطريق، لاعب الجودو كريم طارق، الذي هرب إلى الولايات المتحدة، بعد نزاعات مع اتحاد اللعبة، انتهت بتحوله الآن لمواطن ولاعب أمريكي مميز، بعد حصوله على المركز الأول في البطولة الدولية المفتوحة للجودو التي نظمتها أمريكا العام الماضي. حتى المصارع محمد عبدالفتاح الشهير باسم «بوجي»، هو الآخر لم يتردد في الموافقة على الحصول على الجنسية البحرينية عام 2016، وبعدها هاجر إلى أمريكا والآن يتولى تدريب أحد المنتخبات، وتبعه زميل رحلة الكفاح حسام بكر، الذي عانى الأمرين طوال مشواره مع مصر، لدرجة أنه اعتزل مرتين أو ثلاثا، بحثا عن مصدر رزق كان يوفر له 150 جنيها في اليوم، بينما كانت وظيفته في بطاقة الهوية «عاطل»، وبعد هذا العناء، حط الرحال إلى واشنطن، بحثا عن حياة كريمة في سنواته الأخيرة، فيما يبقى النموذج الأشهر الرباع الأولمبي فارس حسونة، الذي سافر مع والده، لاعب مصر السابق، إلى قطر، ليحقق للدوحة أول ميدالية ذهبية في تاريخ مشاركاتها في دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة. وحتى على مستوى الألعاب الجماعية، تم تجنيس حسين ياسر المحمدي وشقيقه، وكلاهما دافع عن ألوان العنابي القطري، وأيضا في كرة اليد، حصل حسن عواض ومحمود حسب الله وأحمد عبدالحق وعبدالرحمن عبده وأحمد مجدي وأحمد مرجان على الجنسية القطرية، ولعبوا في كأس العالم وواجهوا منتخب مصر، بعد سنوات من تمثيله، والسؤال الآن: هل ستجد المؤسسات المصرية طريقة أو حلا ما للحد من هذه الظاهرة بعد صفعة الشوربجي؟ أم ستستمر الظاهرة بنفس الوتيرة المرتفعة في السنوات القليلة الماضية؟
المصدر : القدس العربي