فادي السمردلي يكتب :من الترفيه إلى الإدمان رحلة الشباب مع العالم الافتراضي
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
لم تعد التكنولوجيا في حياة الشباب مجرد وسيلة للترفيه أو أداة مساعدة في الدراسة والعمل، بل أصبحت جزءاً عضوياً من تفاصيل يومهم، تسبق استيقاظهم أحياناً وتؤخر نومهم في كثير من الأحيان. ومع هذا الحضور الكثيف، تحوّلت العلاقة بين الشاب والعالم الافتراضي من علاقة استخدام عابر إلى ارتباط عاطفي وسلوكي عميق، قد يصل في بعض الحالات إلى حد الإدمان.
في البداية، يدخل الشاب إلى المنصات الرقمية بدافع الفضول أو التسلية فيتابع مقاطع قصيرة، يراسل أصدقاءه، ينشر صورة أو يعبّر عن رأي فيشعر بالمتعة الفورية الناتجة عن التفاعل إعجاب، تعليق، مشاركة فهذه الاستجابات السريعة تمنحه إحساساً بالقبول والانتماء، وربما التقدير. ومع تكرار التجربة، يبدأ الدماغ بربط استخدام الهاتف بمشاعر الرضا والارتياح، فينشأ نمط سلوكي يتعزز مع الوقت.
تكمن المشكلة في أن هذا التعزيز سريع وسهل المنال ففي الواقع، يحتاج الشاب إلى جهد وصبر لتحقيق إنجاز دراسي أو رياضي أو اجتماعي، بينما في العالم الافتراضي قد يحصل على شعور بالإنجاز خلال ثوانٍ وهذا التفاوت يجعل الشاشة أكثر إغراءً، خاصة في مرحلة عمرية تتسم بالحساسية تجاه نظرة الآخرين والرغبة في إثبات الذات.
تدريجياً، يتغير نمط الحياة فيتراجع الوقت المخصص للقراءة أو ممارسة الرياضة أو الجلوس مع الأسرة، ليحل محله تصفح طويل قد لا يحمل قيمة حقيقية. يبرر الشاب ذلك بأنه “يستريح” أو “يمضي الوقت”، لكنه في الواقع يفقد السيطرة شيئاً فشيئاً على ساعات يومه وحين يحاول تقليل الاستخدام، قد يشعر بالتوتر أو الملل الشديد، وهي مؤشرات واضحة على تشكل نوع من الاعتماد النفسي.
لا يقتصر أثر هذا التحول على إهدار الوقت فحسب، بل يمتد إلى جوانب أعمق فالمقارنة المستمرة بالآخرين عبر الصور المنتقاة بعناية قد تضعف الثقة بالنفس والسعي الدائم للحصول على الإعجابات قد يحوّل التفاعل الإنساني إلى عملية حسابية تقاس بالأرقام كما أن التعرض المتواصل للمحتوى السريع يقلل القدرة على التركيز لفترات طويلة، ما ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي والقدرة على التفكير المتأني.
مع ذلك، من الظلم اختزال التكنولوجيا في صورة سلبية فالعالم الافتراضي يتيح فرصاً هائلة للتعلم، وبناء المهارات، والتواصل مع ثقافات مختلفة، وحتى إطلاق مشاريع وأفكار ريادية فالفرق الجوهري يكمن في طبيعة الاستخدام: هل هو استخدام واعٍ يخدم أهدافاً واضحة، أم استهلاك عشوائي يقوده الملل والرغبة في الهروب من ضغوط الواقع؟
هنا تبرز مسؤولية مشتركة فالشاب مطالب بتطوير وعي ذاتي يمكنه من مراقبة سلوكه الرقمي، وتحديد أوقات واضحة لاستخدام الهاتف، ووضع أولويات حقيقية ليومه كما أن الأسرة والمدرسة مدعوتان إلى فتح حوار صريح حول مخاطر الإفراط في الاستخدام، بعيداً عن أسلوب المنع المطلق الذي غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية. المطلوب ليس قطع الصلة بالعالم الرقمي، بل إعادة ضبطها.
إن رحلة الشباب مع العالم الافتراضي ليست قدراً محتوماً ينتهي بالإدمان، بل مسار يمكن توجيهه فحين يتحول الهاتف من سيدٍ للوقت إلى أداة في يد صاحبها، يستعيد الشاب توازنة وعندما يتعلم أن قيمته لا تُختزل في عدد المتابعين، بل فيما يملكه من مهارات وأخلاق وإنجازات حقيقية، يصبح قادراً على الاستفادة من التكنولوجيا دون أن يقع أسيراً لها.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم هل نستخدم العالم الافتراضي لنطوّر واقعنا، أم نهرب من واقع يحتاج منا إلى شجاعة المواجهة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد إن كانت الرحلة ستبقى في حدود الترفيه، أم ستنزلق إلى دروب الإدمان.
الكاتب من الأردن