الصحف الإسرائيلية 23-7-2016

الضعف الفكري يجر هزيمة سياسية في اوروبا

بقلم: زئيف شتيرنهل
محق البروفيسور شلومو أفينري، الصديق والزميل منذ اكثر من 50 سنة، بقوله ان “التاريخ ليس فقط حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام”. كما أنه محق بادعائه بان تاريخ الافكار وحده لا يوفر المفتاح السحري لفهم التاريخ بمجمله. ولكن التاريخ ايضا ليس مجموعة من الظواهر المصادفة والاحداث هزيلة العلاقة فيما بينها. فيه ميول وتيارات بعيدة المدى، وهذه بالفعل تنكشف في احيان قريبة بالطريقة الاوضح من خلال بحث الافكار.
فمثلا لا يمكن تفسير الثورة الفرنسية فقط من خلال تناول الازمة في الزراعة والنقص في الغذاء أو افلاس المملكة، عقب النفقات الهائلة التي تطلبت دعما للامريكيين في اثناء حربهم ضد انجلترا. كما أنه لا يمكن شرح احداث القرن العشرين فقط على أساس الحرب العالمية الاولى ونتائجها. فمن مثل أفينري، الذي اكتسب لنفسه اسما عالميا بفضل عمله عن ماركس وهيغل، يعرف بان الطرق المؤدية من النظرية الى الممارسة عديدة، بل واحيانا غريبة بقدر لا يقل عن طرق العناية العليا في التاريخ.
ليس بيننا اي جدال في أن “من يؤيد حق الفلسطينيين في دولة قومية ويتنكر لحق اليهود في ذلك، لن يحظى بالتأييد في اوساط الشرائح التي تنجر اليوم خلف الديماغوجية القومية والدينية لليمين”. ولحسن فهمي، ليس في اوساط اليسار الصهيوني اناس هذا هو موقفهم. فهذه هي خلاصة الصراع الايديولوجي بين اليسار من جهة وبين اليمين والوسط (الذي ينجر وراء اليمين) من جهة اخرى. كل الجدالات بينهم تدور حول المبدأ الذي يقول ان من يطالب بحق تقرير مصير لنفسه لا يحق له أن يحرم الاخرين منه.
ان الحق في الاستقلال وبحكم الذات هو حق انساني أساس وكوني، وبالتالي فانه ينطبق على الفلسطينيين بذات القدر الذي ينطبق على اليهود: دولة قومية واحدة ليست مقدسة أكثر أو اقل من دولة قومية اخرى. في نظر اليمين، من يفكر هكذا هو عدو الشعب. نعم، من اجل الحقيقة التاريخية، يجب التشديد على أنه في اوساط حركة العمل بكل اطيافها ايضا – حين كانت هذه لا تزال موجودة ولم تخرج باسمها – رفضت الاغلبية مساواة الحقوق الوطنية للفلسطينيين ولم تعترف بمفعول وشرعية حقوقهم الكونية.
ان عدم القدرة على وضع بديل لفكرة تفوق الحقوق التاريخية على الحقوق الكونية هي السبب الاساس للشلل الفكري والاخلاقي الذي حل باليسار عشية حرب الايام الستة. ففي غضون وقت قصير وجد اليمين نفسه في موقع قوة إذ في قيادة العمل أيضا – من غولدا مائير وحتى يعقوب حزان من هشومير هتسعير، ناهيك عن يغئال الون ورفاقه من الكيبوتس الموحد والكتاب من اللجنة من أجل بلاد اسرائيل الكاملة – لم يكن يوجد شعب فلسطيني. بل ان حزان أطلق اللؤلؤة المميزة: كيف يمكن المقارنة بين شعب ابن 3 الاف سنة وشعب ابن 30 سنة؟
ان هذا الاعتراف بتفوق التاريخ على الحقوق الطبيعية – حقوق الانسان – أدى، بالتدريج، بداية الى التصفية الفكرية لليسار ولاحقا ايضا الى تصفيته السياسية. هنا ايضا سبقت التطورات الفكرية التطورات السياسية.
والان سأتطرق الى الحرب العالمية الاولى بسبب الاهمية المبدئية لها لفهم الواقع الاسرائيلي. ثمة من مِن شأنهم ان يفهموا تحليل أفينري كدليل على أنه طالما لم تقع مصيبة وطنية مثل حرب هدامة أو انهيار اقتصادي واجتماعي، أو كلاهما معا، فليس في اسرائيل خطر حقيقي على تصفية الديمقراطية الليبرالية.
وأنا اختلف مع هذا: برأيي الاحتمال قائم. واليمين في الحكم يحققه بالتدريج كل يوم بيومه، والثورة المحافظة تتدحرج منذ الان، المحكمة العليا تقف على شفا الشلل والاسوأ من كل ذلك يكمن في حقيقة انه انطلاقا من العجز والجبن يعتاد المجتمع ويسلم بالواقع. مسيرة طويلة من التطرف القومي – الديني وانتصار القيم البطرياركية على القيم الكونية آخذة في النضج عندنا بسرعة.
فضلا عن ذلك، فقد تعلم اليمين، حتى وان كان بتأخير ما، بان ليس له معارضة، بان النخب الثقافية ضعيفة، جبانة وتطلع الى الاصطفاف في ظل “الاجماع″. هذا ما كان أيضا في اوروبا وهذا ما صفى هناك الديمقراطية الليبرالية. اما عندنا فالمشكلة اكثر خطورة بكثي: فللقومية المتطرفة القبلية، الساحقة والسامة، التي تنغمر بالمعتقدات التافهة وبالكراهيات الظلماء، توجد قاعدة قوة سياسية، تعليمية واقليمية بما يشبه الحكم الذاتي ليس اليسار وحده لا يتجرأ على مواجهتها – بل وحتى الرسمية اليهودية تتراجع أمامها. هذا هو المخزون البشري الذي منه يمكن أن يخرج منه ذات يوم زعران يحملون السلاح ليؤدوا الدور الذي أدته العصابات التي سيطرت في اوروبا.
جوهر موضوعنا هو ان الذخيرة والمواد التفجيرية الفكرية التي اعدت قبل الحرب العالمية الاولى انفجرت بكل شدتها في السنوات ما بعدها. ووفرت الحرب الظروف وكذا جزء من الجيوش التي سمحت بتحقق الايديولوجيا وتحولها الى قوة سياسية. ولكن ليس في ذلك ما يوفر تفسيرا كاملا.
ان الضعف البنيوي للديمقراطية في المانيا وفي ايطاليا في السنوات التي سبقت الحرب، والبنية التحتية الايديولوجية – التي كان مروجوها بعض من الاسماء البارزة للقرن العشرين، في كل مجالات الثقافة، في الفلسفة، في العلوم الاجتماعية، في الادب وفي الفن – ادت الى تفكك الديمقراطية في السنوات ما بعد الحرب: لم تكن اي حتمية تجعل الحرب تخلق فاشية ونازية. فافينري يعرف جيدا بان النفور من الليبرالية الفلسفية ونظرية العرق لم يكن نتيجة البطالة والتضخم المالي وان النازية مدينة اكثر “للثورة المحافظة” في الفترة الانتقالية بين القرنين مما هي مدينة للازمة الاقتصادية.
وهذا هو الحكم بالنسبة لفرنسا، التي لم تشارك على الاطلاق في الحرب ولم تتضرر منها. فليس صدفة أنه عند اقامة الكتائب الفاشية في تشرين الاول 1933، كانت أول كلمات زعيم الحركة خوسيه انطونيو بريمو دي ريفرا، في خطابه التأسيسي، موجهة ضد جان جاك روسو و “العقد الاجتماعي”، بمعنى، ضد التنور والفكر الذي يقول ان الفرد يسبق من ناحية قيمية المجتمع والدولة، وهاذان لا يوجدان الا من أجله.
المشوق هو ان في فرنسا ايضا بعد الهزيمة في 1940، كانت المهامة الاولى التي تصدى لها النظام الجديد “للثورة الوطنية” هي شطب الثورة الفرنسية. تلك، على أساس اعلان حقوق الانسان والمواطن فيها، حررت السود واليهود: في المرة الاولى في التاريخ الحديث كان كل السكان الرجال الذين يعيشون في ذات الدولة مواطنين متساوي الحقوق. القوانين العرقية المناهضة لليهود في تشرين الاول 1940 جاءت لتكون المسمار الاخير في تابوت التنور. ولم تكن الامة بعد ذلك مجموع مواطنيها، بل قبيلة تصطف حول كنائسها وقبورها.
وبالنسبة للولايات المتحدة وانجلترا، لا اعتقد أن التفسير الامبريالي يحل المشكلة: فالديمقراطية في امريكا صمدت ضمن امور اخرى لانه لم يكن فيها نواة قبلية كان يمكن ان تتطور حولها النزعة القومية التنظيمية والعدوانية التي هي اساس الفاشية. فرغم العنصرية وكراهية الاجانب المغروستين في الثقافة الامريكية، لم يكن في الولايات المتحدة سوى مجتمع مدني والمهاجر الذي أقسم للدستور كان مواطنا متساويا لانسال البيوريتانيين.
انجلترا هي الاخرى في نهاية القرن التاسع عشر باتت “بريطانيا”، والتي ضمت حدودها الاسكتلنديين، اللويلزيين والايرلنديين. ووحد الجميع الولاء للتاج، اي للدولة، وليس للقبيلة. ضعفت انجلترا في الحرب وكانت الازمة فيها خطيرة بقدر لا يقل عما في قارة اوروبا. فحتى في مدنها الصناعية وفي قراها تجول جنود مسرحون، والخسائر في اوساط الطلاب في اكسفورد وكامبردج كانت شديدة بقدر لا يقل عما في اوساط نظرائهم في السوربون وفي عموم القارة.
وبالنسبة لموسوليني، رغم الدعم الشعبي الذي حظي به، فانه لم يصعد الى السلطة فقط بفضل جنود الجبهة، العاطلين عن العمل والفقراء، والمسيرة الى روما لم تكن الا زينة مسرحية عديمة الاساس. لم تكن ابدا ثورة في ايطاليا. فلو كان للنخبة السياسية ارادة للدفاع عن النظام، لكان الجيش والشرطة، اللذين وقفا جاهزين ومستعدين في مواجهة التجمع الفاشي، فرقا المشاركين فيه الى كل صوب. لقد كان الحكم الفاشي نتيجة الازمة المستمرة للديمقراطية الليبرالية في السنوات التي سبقت الحرب؛ وفي ساعة أزمة النخبة السياسية، الليبرالية والمحافظة على حد سواء، رؤساء الصناعة والبنوك، رؤساء الكنيسة والاسرة المالكة اعترفوا بعدم قدرتهم على استقرار القارب.
لقد تفككت الديمقراطية من الداخل، ورئيسا الحكومة السابقان جوباني جوليتي وانطونيو سلندا أيدا موسوليني، وقد دعاه الملك في تشرين الاول 1922 الى تشكيل الحكومة، الذي كان بين 13 وزرائها 3 فاشيين بالاجمال. لقد كانت هذه حكومة ائتلافية عادية من الليبراليين والمحافظين والقوميين. ولم تبدأ مسيرة التحور الفاشي المتسارع الا بعد ثلاث سنوات وانتهت في 1929. يمكن لموت الديمقراطية أن يكون بطيئا، والعذابات التي تأتي بالتدريج يعتاد الناس عليها. في المانيا وفي فرنسا فيشي ايضا اعتاد الناس بسرعة على واقع أحد لم يتصور قبل وقت قصير من ذلك ان يكون ممكنا. والان الى يوهن غوتفريد هاردر، الى ادموند بارك والمعنى العميق الذي للافكار التي غرساها في عالمنا. اولا وقبل كل شيء يقال ان التعددية الثقافية المتساوية المزعومة لهاردر كانت تعددية محدودة الضمان وذلك لان عزيز الثقافات المتعددة هذا، حبيب ما بعد الحداثة، طور نسبية حادة ومراتبية واضحة للشعوب والثقافات. وحسب فكره، ففي رأس السلم يقف الالمان في فترة الغزوات الكبرى، مجددو العالم، محتلو الامبراطورية الرومانية، التي تجرأت على أن تفرض القانون الروماني على كل سكانها وهكذا ارتكبت جريمة لا تغتفر ضد التميز الثقافي للشعوب المختلفة. وتمكنت القبائل الالمانية المفعمة بالحيوية من تحويل الامبراطورية الى فسيفساء من الثقافات، كل ثقافة فيها تضع حدودا وأسيجة في وجه تأثيرات الثقافات الاخرى.
من ناحية هاردر، فان كل تأثير خارجي هو تأثير هدام والمضامين القومية السيئة افضل دوما من مضامين المصادر الاجنبية. لقد كان هاردر قبل كل شيء قومي وفقط بعد ذلك مسيحي. والمسيحية بقيمها الكونية تراجعت دوما لديه امام القيم القومية. لقد رأى في الالمان في عهده شعبا شابا يصعد الى المسرح الذي ينزل منه الفرنسيون المتعفنون واعتقد بان الثقافة الالمانية أصيلة، بينما الثقافة الفرنسية مصطنعة. وهذا يتناقض بالفعل مع المبدأ حول القيمة المتساوية لكل الثقافات والذي ينسب الى هاردر بالخطأ.
ولكن الى الذروة تصل الاسطورة الهاردرية عندما نعنى باليهود. فالفيلسوف الالماني معروف بمحبته للقصائد التوراتية ولعالم العبريين القدماء. ولكن الى جانب اعجابه الكبير بالشرق العتيق، البطرياركي، كانت فيه لاسامية كبيرة. لقد طور هاردر كل الاراء المسبقة المعروفة للسامية الاوروبية. وكانت لاساميته اخطر من لاسامية فولتير، الذي قاتل ضد الدين بصفته هذه وكانت المسيحية والكنيسة الكاثوليكية الموضوع الاساس لعدائه الشديد.
في نظر هاردر كان اليهود على مدى الاف السنين “نبتة طفيلية” على جسد الشعوب الاخرى. فقد سيطروا على التجارة والاموال وهكذا جعلوا شعوب اوروبا عبيدا طوعيين للعضة اليهودية. سيأتي يوم، كما قال، وسيعيش اليهود حسب قوانين اوروبا، ولكن حتى ذلك الحين فاننا ملزمون بان نحرر المسيحية من تأثير اليهودية. هذه الفكرة لا تنسجم هي الاخرى مع مبدأ القيمة المتساوية لكل الثقافات. وبالفعل، فان هاردر لم يخفِ رأيه حول دونية الثقافات الاخرى، وبالاساس الثقافات غير الاوروبية: فبينما السلافيين اثاروا شفقته فقط لانعدام القدرة القتالية الالمانية لديهم، اعتقد بانه حبذا لو لم تخلق الطبيعة افريقيا على الاطلاق. اما اليابانيون واكثر منهم الصينيون، الذين اثنى فولتير على مساهمتهم في العلوم، فلم يثيروا انفعاله بسبب النواقص الجسدية المختلفة التي أولاها لهم. وكذا الهنود، الخراف الخانعة، لم يتحدثوا الى قلبه بسبب السلبية الشهيرة بهم. لا توجد لديه كلمة واحدة من التقدير لثقافتهم.
وأخيرا، بضع كلمات عن بارك. حوله ايضا نشأت اسطورة متجذرة، ترى فيه مقاتل حرية مناهض للامبريالية. صحيح أن بارك دافع عن الايرلنديين الكاثوليك وعن الهنود في وجه الحكم الكولونيالي الفاسد، ولكنه لم يفعل ذلك باسم حقوق الانسان بل باسم التاريخ، التقاليد والعادات المحلية، بما فيها الاكثر اثارة ووحشية.
بالنسبة لامريكا، كانت المبادىء التي وجهته مشابهة. فهذا السياسي الانجليزي الذي كان يعرف جيدا مصالح المستعمرات سعى الى انقاذ الامبراطورية ومنع انفصال المستعمرات عن انجلترا. وقد فهم بان سياسة الصدام مع المستعمرات وفرض ارادة التاج على سكانها ستؤدي في النهاية الى انقطاعها عن انجلترا.
ولكن بارك خاف اكثر من أي شيء آخر امكانية أن تتبنى المستعمرات في ظل الصراع مبادىء التنور التي بدأ هو نفسه يصارعها قبل ثلاثين سنة من الثورة الفرنسية. احد لم ينفر اكثر منه من مبدأ الحقوق الطبيعية من فكرة حق بني البشر في ان يخلقوا لانفسهم مجتمعا ويعطوا لانفسهم حكما كما يروه؛ لم يكن في نظره شيء أسوأ من التوجه الى المبادىء المبسطة للحرية. وعليه فمنذ يوم قيام الولايات المتحدة، اختفت من خطابات وكتابات بارك وكأنها ابتلعها المحيط.
لا شك أن في أفكار القوميين والمحافظين اساسات ايجابية ايضا، ولكن في الحساب العام فان الضرر الذي الحقوه في الـ 300 سنة الاخيرة، حتى يومنا هذا، يفوق بكثير مساهمتهم في تقدم الحرية والليبرالية. والاعتراف بتأثير هذه الافكار يؤكد فقط الحاجة الى وضعها امام الحكم الاخلاقي.
هآرتس

قد يعجبك ايضا