الشاعرة الجزائرية شامة درويش: الجزائر تملك شعراء مميزين لكن الشتات جعلهم لا يظهرون

حاورها من باريس ــ حميد عقبي:
تستمر رحلتنا الممتعة مع المشهد الأدبي الجزائري ونجد التفاعل مع ما يتم طرحه هنا مما يشجعنا على المواصلة ونستقبل أي ملاحظات فالجدل العقلاني والنقاش يثري الكثير من الأفكار ونرحب بمشاركتكم.
ضيفتنا اليوم الشاعرة الجزائرية شامة درويش حاصلة على الجائزة الوطنية الثانية في مهرجان الشعر النسوي بقسنطينة عن ديوان “جدائل متمردة ” في أكتوبر/ تشرين الأول 2013، تتحدث بحرقة عن المرأة العربية فتذكر أن المرأة العربية واحدة من تاريخ محبوك بحبر ذكوري أناني تتوارثه مجتمعاتنا التي تملك تلك عقلية متحجرة من فهم مغلوط للدين، فأصبحت المرأة مهانة وحجّمها إلى أنثى مفعول بها، كما سيتطرق حديثنا لقضايا أدبية مهمة..نرحب بضيفتنا وإليكم الحوار.
* يلاحظ أن الرواية الجزائرية تناولت ووثقت الكثير من الأمكنة والاحداث بالجزائر..ماذا فعل الشعر في هذا الاتجاه؟
المكان هو نحن، هو ذلك العالم الذي يسكننا، بما رحب من ذكرى وحب وانتماء، أو هو استعادة تلك الدهشة الساذجة حين العودة إليه. هو ركننا في العالم كما يقول غاستون باشلار، لا فرق بين الرواية والشعر في توثيق المكان؛ فالرواية تدقّق في الوصف، والشعر ليس لديه المجال للتفصيل. فيكون المكان ومضة مشحونة بالدهشة والروح.
*هناك من يقول بوجود شعراء وكتاب رجال يكتبون لخليلاتهم دواوين وتنشر لهن..هل فعلا هذه الظاهرة موجودة؟ وما مدى انتشارها؟
لا يمكنني الفصل في أمر لم أقف عليه شخصيا. لكن التاريخ وحده كفيل بالكشف (ثم إن الصوت الأصيل لا يموت).
*أصبحت النساء في عالمنا العربي تباع كجوار وتكثر طرق الاستعباد للمرأة العربية. ككاتبة وشاعرة كيف تشخصين ما يحدث؟ وكيف ينعكس هذا في تجربتك الشعرية؟
المرأة منذ فجر التاريخ وهي ضحية صوت الذكورة الصارخ، الموغل في أنانيته، المتنكّر لذات الأنثى التي تجعل منها امرأة فاعلة مع الرجل. والمرأة العربية واحدة من تاريخ محبوك بحبر ذكورتهم؛ إذ توارث المجتمع تلك العقلية من فهم مغلوط للدين، فأهان المرأة وحجّمها إلى أنثى مفعول بها. ضف إلى هذا ما هو حاصل من تشتت عبر كلّ الدول العربية، ما سمح للمؤسّسة الدينية بتوظيف هذا المخلوق (جسديا) ونفي صفة التفكير عنه. أنا لست كائنا من زحل، أنا امرأة من هذا العالم، أحزن حينما تأسرني المآسي، وتكبّلني الظروف القاتمة. أكتب عن كلّ ما يحدث بطريقتي. لا تحركني المناسبات بل تحركني الإنسانية.
*هل المشهد الشعري الجزائري بخير اليوم؟ وهل له مسارات جديدة واضحة؟
لست في موقع الناقد هنا، ولا يحقّ لي أن أكون كذلك. لكني سأنقل رأيا خاصا وهو رأي يحمل كثيرا من الإيجابية. الجزائر تملك شعراء مميزين لكن الشتات جعلهم لا يظهرون. بل هناك من لا يعرف أسماءهم حتى. فأنا رغم اندماجي في الوسط الأدبي منذ سنوات إلا أنني لحدّ الساعة مازلت أتعرّف على شعراء لهم مكانتهم لم أكن أسمع لهم صوتا من قبل. الضوء يسلّط دوما على البعض فقط. والأغلبية تحفر في العتمة نورها.
أشجّع بعض المبادرات الجديدة التي تحمل في سطورها الظاهرة، الخيرَ للشعر والشعراء، وأذكر مبادرة وزارة الثقافة في تحديد “موعد مع الشعر” وكذا “موعد مع الرواية”، ونشاط بعض الجمعيات، لكن مساراتها ما تزال مبهمة، وأفقها لا يزال ضيقا. فما معنى أن يكون موعد للشعر وتحتكره العاصمة؟ وما معنى نشاط جمعية ما وتكريسها لأسماء مكرورة تربطها بها علاقات صداقة. العبرة في تعميم المسار لا تعتيم الرؤيا.
*توجود مئات المجموعات الفيسبوكية الشعرية تنشر الآلاف من القصائد كل يوم.. ألا ترين وجود استسهال يصل إلى الاستهتار بهذا الفن؟ هل ستفرز هذه الفوضى نتائج إيجابية؟
دعني أقول أن الكتابة ليست أمرا هيّنا. ومن يظن أنها كذلك فحتما سيُرمى في مزابل التاريخ. الكتابة تعب روحي وفكري، وتقنية ومهارة، وقراءة دائمة. فمن يكتب في الفضاء الأزرق، ليس معناه أنه بلغ السماء. الأزرق لون للصفحة فقط وليس لونا للرّفعة والعلوّ، وعدد الإعجابات ليس مقياسا للجودة من عدمها. الأزرق قد يكون محيطا بكثافة مرتاديه، لكنه يضيق حينما تضيق الرؤيا الأدبية. لا مجال للنفاق ولو ضحكوا لك كثيرا. الكلمة هي الفاصل. هذا لا يعني أنّني أنكر فضل هذا الفضاء في بروز اسمي منذ 2011؛ إذ جعلني أختصر مسافات البحث عن الأدباء والبحث عن ذاتٍ تكتب ذاتها بمساحة من الحرية الزائدة. أنا لا ألوم من يكتب كثيرا على هذا الفضاء، إنه متنفسنا المفضل إن لم أقل الوحيد، ففيه نمرر ألف رسالة وألف قصيدة في لحظات إن شئنا ذلك. والتاريخ يصفي كما يفعل دوما، ثمّ إن العصر يفرض علينا ثقافات أخرى (كثقافة الصورة، والصوت، والفيديوهات… إلخ) التي لم يعد الورق يستوعبها؛ إذ لم يعد البريد الأبدي للفعل الأدبي.
*الكثير من الشاعرات يصرحن بوجود معاناة وتهميش وسيطرة الأدب الذكوري..كيف تنظرين لهذا الطرح؟
أنا شخصيا لا أجد مصطلح تهميش يليق بمبدع، تهميش من ماذا؟؟ ومن طرف من؟. يا سيدي الأنترنت ألغت كل الحواجز في عصرنا، فكل من كان يحلم بالشهرة تحققت له بمجرد فتح حساب فيسبوك أو تويتر أو أنستغرام أو غيرها من مواقع التواصل الاجتماعي. ماذا نقصد من التهميش هنا؟ هل هو حضور الملتقيات الشعرية؟ قد يكون هذا سببا لكنه ليس سببا يجعلنا نصدر حكم التهميش، اللهمّ إلاّ إذا كان المبدع يكتب لإرضاء جهة معينة أو يريد الظهور لجهة بعينها. أما قضية سيطرة الأدب الذكوري، فهي في الأصل قضية خاطئة في نظري. عندي قناعة أن من يكتب امرأة أم رجلا إذا كان أصيل حرف ولغة فسيجد مكانته حتما في كل الفضاءات. (الرجل أو المرأة) ذات إنسانية تكتب إنسانيتها، نحن لم نعد نذعن لتلك التصنيفات التجنيسية.
*نود التوقف مع تجربتك الشعرية ومنابع هذه التجربة وأهم الإنجازات؟
في البداية أخبرك أن كلمة “تجربة” في حدّ ذاتها تعبّر عن اختلاف التجارب وتعدّدها عند كاتب معيّن، كأن نجرّب الكتابة عن الأسطورة مثلا ثم ننتقل إلى الكتابة عن البحر في عملين أو أكثر، أو البقاء في نمط كتابة واحد، ويدرس نقديا من باب التجريب عند كاتب ما، سواء كرّس مؤلفاته لمنهج واحد أو تنوعت عنده المناهج الكتابية. أمّا عنّي فهي محاولة وضع رِجْل وقدم وساق في متن أدبيّ يعجّ بالكتاب والأدباء القدماء ومن جيل سبقني ومن جيلي. لا أجدني قدمت الكثير، لكنني أحاول الثبات على محبة اللغة، وجعلها عشيقة أبدية، نتبادل الأدوار في سرير الصفحات؛ فمرة تكتبني ومرة أكتبها، ثم يركن كلينا إلى تصحيح ما كتب عنه ومنه وفيه. بدايتي كانت مع اتحاد الكتاب الجزائريين (فرع قالمة) 2011، انطلقت منه منشّطة للملتقيات الوطنية، وأخفيت شعري، -رغم أنه كان رفيقي منذ طفولتي- من خلالها تعرفت على نخبة كبيرة من الشعراء، ومنذ ذلك الحين وأنا أتعرف على أسماء الشعراء ولم تنته القائمة بعد. هذا دليل على ثراء الكتابة في بلدي، إلا أنه دافع أكبر إلى التميز وأخذ مسار منفرد. بعدها بدأت النشر على صفحات الأزرق، وفي الجرائد، ثم قررت الدخول في جوّ لا يعرفني فيه أحد بتسليم نصوصي إلى جهة مجهولة، لأعرف مدى تواجدي في المتن الشعري. فكان مهرجان قسنطينة للكتابة النسوية محطتي؛ ففاز مخطوطي جدائل متمردة بالمرتبة الثانية (أكتوبر 2013) وحظِيَ هذا المخطوط بطبعتين؛ واحدة على حساب المهرجان (طبعة جماعية) والثانية على حسابي الخاص العام2015. بعدها لم أتوقف عن الكتابة أبدا، وتنوعت كتاباتي بين المقالات الأكاديمية إلى المقالات في الجرائد والمجلات المختصة إلى إجراء حوارات مع أدباء جزائريين وعرب. إضافة إلى تعدد القراءات عندي بين ماهو أكاديمي وماهو إبداعي، جعل ممارستي للغة تختلف.
الشعر تراكم معرفي، تدخل فيه الموهبة بنسبة ضئيلة، وتترك المسافة للقراءة والتقنية. ربما كانت معلمتي الأولى أمي التي تتفنن في الخياطة والنسيج، وكلّما كانت تصنع آنية من الطين كنت أرافقها في كل المراحل وأسألها لكنها لا تأبه لي لأنها تنشغل بإطلاق صوتها القوي بالغناء الطويل، تصوّب نظرتها الضاحكة إلي، فأتعلم بالإيماء. ربما كان معلمي الأول أبي الذي كان يشغّل الإذاعة الوطنية والإذاعات الدولية طول الوقت، فتلتقط أذني كل ماهو جميل، بل كل الأصوات نقشت خصوصيتها في همسي. ربما كان معلمي الأول أخي، الذي كان يقتني كل المجلات والجرائد العربية، وأشرطة الكاسيت لعمالقة الطرب العربي، ربما كان معلمي الأول طفولتي القروية، وسفري الدائم للتحصيل العلمي، وربما كان ما قرأته في بداياتي لأدونيس وانبهاري بمحمود درويش وكل الأشعار القومية الحماسية. وربما كانت دراستي للفلسفة ثم الأدب، عاملا آخر في تكويني. تراكم جعلني أفهم أن الكتابة امتلاء، فبقدر ما نقرأ سنكتب أفضل.
*هل تجدين من تطور وتجديد في تقنيات الكتابة الشعرية خصوصا مع وسائل النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ؟
الأقلام التي أظهرتها الأنترنت كانت أكثر فاعلية مع التقنيات الحديثة في الكتابة، لأن هذا الفضاء وفر البحث عن مواصفات التقنيات الكتابية، والإفادة من تجارب النشر التي يقوم بها الكتّاب (المعروفين وغير المعروفين). فهناك فئة تنتصر للتجارب الحداثية (الهايكو، قصيدة النثر) وهناك فئة بقت حريصة على النماذج القديمة، ومتمسكة بكل تفاصيلها.
*كيف كانت بداياتك وما الذي يغريك في الشعر؟
الشعر حقيقة الذات، ونورها حين العتمة، وفيضها حين الامتلاء، وجنونها حين العقل، وحبها حين الكره، وصمودها حين الهشاشة، وضعفها حين القوة، الشعر حالة قصوى حينما تخنقني اللغة. فتتفتق ملونة؛ مرّة بالشعبي، ومرّة بالفصيح.
* مثقفون عرب لهم حضورهم في الساحة الثقافية، يتراشقون بالإهانات البشعة على مواقع التواصل الاجتماعي ما دلالة هذه الظاهرة؟
الإنسانية لا دين لها، ولا جنس يحكمها، ومن يخرج عن إطارها يعدّ كافرا بالحالات السويّة. قد يكون الفضاء الافتراضي افتراضيا من حيث المبدأ، لكنه صورة تعكس حياتنا الاجتماعية؛ فمن لديه القدرة على الحب في الواقع سيكون كذلك في الافتراض، ومن كانت لديه القدرة على الشتم في الواقع سيكون كذلك في الافتراض. لا شيء نفترضه وهو في الأصل نابع من قناعاتنا المعيشة. ضف إلى هذا تضخم الأنا عند البعض يجعل الحكم منحازا ومتعصبا فيثير غيره ويستفزه. كلّنا ننطلق من سوء الفهم لكي نصل إلى الفهم بتعبير غادمير، لكن ما نجده في مثل هذه الخصومات هو الانطلاق من اعتقاد الفهم، بل والتسليم به.
* كيف هي أحوال المبدع الجزائري اليوم وظروف النشر؟ وهل من دعم خاص للأصوات النسائية؟
النشر في الجزائر خطوة سهلة صعبة، فمن كانت له إمكانات مادية شخصية سيطبع أعماله بيسر وسهولة، وتبقى قضية التوزيع العائق الأكبر للمؤلف. إذ تركن كتبه في زاوية مهملة من منزله فيهدي منها لأصدقائه وما تبقى تأكله الفئران. النشر يستنزف مالك ثم لا يوزع لك العمل. ضف إلى هذا قضية العقود التي تتهرب معظم دور النشر من إمضائها مع المؤلف. أما الدعم فأنا شخصيا لم أقف عنده أو عند تجربة بذاتها، لكن ما هو كائن أن المنتوج الأدبي يوزّع على المكتبات العمومية ودور الثقافة، التي لا يزورها القرّاء أصلا، وبالتالي الفئران تتغذى مرتين؛ مرة في القطاع الخاص، ومرة في القطاع العمومي.

قد يعجبك ايضا