فادي السمردلي يكتب : لا تقلْ أصلي وفصلي أبدًا إنما أصلُ الفتى ما قد حصل سقوط المتكئين على أسماء أقاربهم

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

هناك نوع من البشر لا يملك من نفسه شيئًا يُذكر، فيعيش عمره كله متسولًا على أبواب إنجازات الآخرين، متكئًا على أسماء أقاربه وأنسبائه، وكأن الوطن شركة عائلية تُوزَّع فيها الأوسمة بالوراثة فتسأله ببساطة ماذا قدمتَ أنت للوطن؟ فينتفخ فجأة، ويبدأ بعرض سجل العائلة، لا سجلّه هو. يقول لك عمي فعل، وخالي قدّم، وابن عائلتنا كان مسؤولًا، وأحد أقاربي شارك، وآخر ضحّى، ثم يستمر في هذا الاستعراض السخيف إلى درجة تدعو للاشمئزاز قبل السخرية.

المصيبة ليست في أن يفتخر الإنسان بقريبه الناجح أو الوطني، فهذا أمر طبيعي، بل المصيبة حين يتحول ذلك إلى بديل عن الإنجاز الشخصي، وإلى محاولة وقحة لسرقة مجدٍ لم يتعب فيه، ولم يدفع ثمنه، ولم يشارك حتى في ظله فبعض الناس يعيشون على “نظام الإعاشة المعنوية” من تاريخ غيرهم، كأنهم طفيليات تتغذى على أسماء العائلة بعدما عجزوا عن صنع اسمٍ لأنفسهم.

الوطن لا يعنيه من يكون عمّك، ولا من يكون نسيبك، ولا كم صورة تجمعك مع شخصيات معروفة فالوطن لا يحترم المتسلقين على أكتاف الآخرين، بل يحترم الإنسان الذي يترك أثرًا حقيقيًا مهما كان بسيطًا وأما أولئك الذين يحولون كل نقاش وطني إلى حفلة تعداد للأقارب، فهم في الحقيقة يعترفون ــ من حيث لا يشعرون ــ بأنهم فارغون تمامًا، وأن رصيدهم الشخصي صفر كبير.

الوقاحة تبلغ ذروتها حين يتحدث بعضهم بنبرة استحقاق، وكأن البلد مدين له شخصيًا لأن قريبًا له خدم الوطن قبل عشرين أو ثلاثين سنة وكأن الوطنية أصبحت إرثًا عائليًا يُورَّث كما تُورَّث الأراضي والعقارات فأي منطق هذا؟ وأي عقلية بائسة تجعل إنسانًا يطالب بالاحترام بناءً على تعب غيره؟

الحقيقة القاسية التي يهرب منها هؤلاء التافهين هي أن الإنسان يُقاس بنفسه، لا بأقاربه فالذي لا يملك موقفًا، ولا عملًا، ولا أثرًا، يبقى مجرد ظل باهت مهما كانت الأسماء التي يرددها بل إن كثرة الاحتماء بإنجازات الآخرين تكشف هشاشة صاحبها، لأنه لو كان يملك شيئًا حقيقيًا لتحدث عن نفسه لا عن شجرة العائلة.

المجتمعات التي تتقدم لا تحتفي بأصحاب الأنساب، بل بأصحاب الكفاءة والفعل أما المجتمعات التي يغرق أفرادها في التفاخر بالعائلات والقرابات والأنساب، فهي مجتمعات تُهدر طاقتها في النفخ الفارغ بدل البناء الحقيقي ولهذا ترى بعض الأشخاص يظنون أن مجرد انتمائهم لعائلة معينة يمنحهم قيمة تلقائية، حتى لو كانوا بلا إنجاز، بلا ثقافة، بلا تضحية، وبلا أي دور يُذكر.

والمثير للسخرية أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالتباهي، بل يتعاملون بفوقية واستعلاء، كأن أمجاد الآخرين صكّ تفوق شخصي لهم بينما الحقيقة أبسط وأقسى من كل هذا الضجيج لو نزعت منهم أسماء أقاربهم، لما بقي لديهم ما يُقال أصلًا.

لهذا جاء البيت الشعري حاسمًا كالسيف: «لا تقلْ أصلي وفصلي أبدًا… إنما أصلُ الفتى ما قد حصل».

بيت يختصر قيمة الإنسان الحقيقية، ويفضح كل متسلق يحاول الاحتماء بتاريخ غيره فالرجولة ليست اسم عائلة، والوطنية ليست لقبًا يُورَّث، والاحترام لا يُمنح لمن يردد إنجازات غيره كالببغاء فالاحترام يُنتزع بالفعل، والعمل، والموقف، والتضحية، والإنجاز الحقيقي.

أما الذين يعيشون أعمارهم في ظل أسماء أقاربهم، فهؤلاء ليسوا أصحاب مجد، بل مجرد حرّاس على أبواب أمجاد لم يصنعوها.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا