إسرائيل في “المعركة الأطول”… من التهديد الاستراتيجي إلى الضرورات المؤلمة

ميخائيل ميلشتاين  ….

اليوم قبل تسعة أشهر، نشبت أكثر حروب إسرائيل بلا اسم متفق عليه، وليس واضحاً متى وكيف ستنتهي. لكنها أصبحت المعركة الأطول منذ 1948.

تنطوي الحرب على بضع سوابق تاريخية: كان 7 أكتوبر اليوم الأكثر فتكاً في تاريخ الصهيونية. فقد ترافق واجتياحاً لم يشهد له مثيل إلى أراضي الدولة، تقتيلاً واختطافاً جماعياً للمواطنين، وإخلاء واسعاً من بلدات الجنوب والشمال. وتبدو الاستثناءات واضحة أيضاً في الجانب الاستراتيجي الواسع؛ فقد اختبرت إسرائيل في الماضي معارك متعددة الساحات ومواجهات مع قوى ليست دولة، لكنها نشبت في الغالب في حدودها القريبة ولم تتوزع على وجه الشرق الأوسط كله. وهذه المرة ثمة تصد للتهديد الحوثي والميليشيات الشيعية في العراق. كما تضمنت الحرب المواجهة الجبهوية الأولى بين إسرائيل وإيران، التي تغذي قسماً مهماً من التهديدات الحالية، لكنها ليست بالضرورة مصدرها جميعاً ولا في سياق حماس التي معظم خطواتها مستقلة.

الحرب الحالية صدام إضافي بين إسرائيل والمعسكر الإقليمي الذي يتبنى فكرة المقاومة. تقف أطراف هذا المعسكر في مركز الصراعات التي تخوضها إسرائيل في نصف القرن الأخير، والتي تختلف عن حروب الماضي التي خاضتها ضد جيوش ودول. عقيدة المقاومة تقوم على بضعة أسس: يتصدرها أطراف ليست بدول تتمسك برؤية إسلامية متطرفة ومواجهة غير متماثلة من خلال قوة مدفعية وحرب عصابات وإرهاب وحروب قصيرة بلا حسم، مع إبداء صبر وصمود ودمج المنظمات في المجال المدني، بحيث إن كل قتال ضدها يثير معاضل أخلاقية وضغطاً دولياً؛ مع استنزافاً من خلال إيقاع خسائر ومنع نسيج حياة مستقرة في إسرائيل.

هذه الأسس موجودة في المعركة الحالية أيضاً، لكن شدتها هذه المرة غير مسبوقة وتضاف إليها تجديدات تصبح معاً تهديداً استراتيجياً. متصدرو الصراع لا يركزون على حرب العصابات أو النار الصاروخية فحسب، بل مزودون بقدرة جيوش تقليدية، كما تمثل في هجوم 7 أكتوبر وفي خطط حزب الله لاجتياح الجليل. المبدأ الموجه لم يعد النصر من خلال عدم الهزيمة، بل ضرب أهداف عسكرية ومدنية استراتيجية في إسرائيل وتحييد دفاعها واستخباراتها، من خلال سلاح دقيق تزوده إيران. وثمة تجديدات أخرى تظهر في المعركة الحالية، وهي التنسيق العميق بين أعضاء معسكر المقاومة، والضغط الدولي السابقة على إسرائيل التي تدحر بالتدريج إلى موقع “المنبوذة”.

هذه التغييرات تعكس تحولات طرأت على أطراف المقاومة: منظمات أصبحت صاحبة السيادة العملية (حماس) أو شبه دولة (حزب الله)، لكنها لم تهجر رؤياها الأيديولوجية. هي ذات قدرة عسكرية لدولة، تسيطر على أرض، وتهندس وعي الجمهور التابع لها، مثلما يتضح في غزة التي يتماثل الكثير من سكانها مع حماس ويشاركون في أعمالها. إن تعزز قوة هذه الفصائل ينبع أيضاً من تغييرات عالمية وعلى رأسها الصعوبة الأمريكية في أداء دورها كـ “شرطي عالمي” وضعف العالم العربي.

تتحول المواجهة الحالية بالتدريج إلى حرب استنزاف في جبهتين. وفي الخلفية خلافات داخلية شديدة في إسرائيل وتوتر بين القدس وواشنطن. على هذه الخلفية يتغير مفهوم إيران، التي حددت إبادة إسرائيل هدفاً قابلاً للتحقيق، وسيكون ممكناً تحقيقه في مستقبل غير محدد. تقارير حول برنامج إيراني للدفع قدماً بعد نحو سنتين بإبادة إسرائيل تعكس إحساس طهران في أن رؤيتها باتت في متناول اليد كما أعلن خامنئي: “إسرائيل تشهد ضربة لن تشفى منها، فهي مهزومة على أيدي قوى أضعف منها وتتصدى لعالم بدأ يؤيد شعارات المقاومة”.

في غزة، حتى بعد الضربات غير المسبوقة التي تلقتها، لا تزال حماس الطرف السائد في كل المستويات وفي كل المناطق، ولا تسمح لأي بديل أن ينشأ بدلاً منها. وقسم مهم من قيادتها نجا، والذراع العسكري فاعل حتى بعد تفكيك الأطر الكتائبية، والمنظمة تسيطر على المجال المدني ولا ينشأ احتجاج واسع ضدها. وفي ذلك ينعكس فشل الاستراتيجية التي تتخذها إسرائيل منذ نحو نصف سنة القائل بتقويض حكم حماس بالتدريج من خلال اجتياحات، حتى دون سيطرة مباشرة وبقاء في الأرض المحتلة.

إن الاعتراف بطبيعة المعركة الحالية الخاصة يستوجب تبنياً لبضعة استنتاجات بعضها عسير على الهضم:

1. بالنسبة لغزة – العقيدة الحالية لا تؤدي إلى تقويض حماس أو تحرير المخطوفين، وتجسد أن المطلوب هو الاختيار بين احتلال غزة كلها؛ الأمر الذي لم يعد قابلاً للتنفيذ في هذه اللحظة، وبين صفقة معناها وقف القتال في هذه اللحظة.

2. في كل صفقة، على إسرائيل أن تصر -فضلاً عن تحرير المخطوفين- على نظام جديد في محور فيلادلفيا ومنع إعمار غزة. وهو هدف يثبت في نظر حماس أن في وسعها الإبقاء على الجهاد والحكم في الوقت نفسه. قد يحصل الغزاويون على مساعدات إنسانية، لكن بدون أفق وحياة طبيعية.

3. بدلاً من الغرق في حروب استنزاف في الجنوب والشمال، ينبغي الاستيعاب بأن إيران هي التهديد الاستراتيجي والتركيز عليه، بخاصة في البرنامج النووي، وذلك في ظل إقناع العالم بالتهديد الذي تنطوي عليه في ساحات عديدة (مثلاً البحر الأحمر وأوكرانيا) ما يستوجب عزلها والعمل ضدها.

4. تعلم الدروس يستوجب التخلي عن مفاهيم اعتمدت عليها الاستراتيجية في العقود الأخيرة، وعلى رأسها السلام الاقتصادي والمعركة ما بين الحربين. ينبغي استبدالها بمبادرات هجومية واسعة، خصوصاً ضد حماس التي لا ينبغي التسليم باستمرار وجودها كحكم في غزة.

5. في الموضوع الفلسطيني، الذي امتنعت فيه إسرائيل عن البحث والحسم فيه عشية 7 أكتوبر، سيكون مطلوباً فحص كيفية الملاءمة بين السعي للانفصال المادي بين الشعبين، ومنع تهديد وجودي نابع من استقلال فلسطيني (بخاصة السيطرة على البوابات التي بين فلسطين والعالم).

6. والأهم من كل شيء: في ضوء الحاجة للتركيز على تهديدات خارجية، من الحيوي هجر المسائل التي تخلق شروخا داخلية أضعفت عشية 7 أكتوبر وصرفت الانتباه عن تهديدات خارجية.
يديعوت أحرونوت 7/7/2024

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.