نقمة

 

عندما أقرأ كتب التراث الدينية أستغرب كثيراً من العقل البشري متواضع التطور، لا أستغرب فقط قبوله ببعض المكتوب ولكن ما يزيدني دهشة هو رفضه التام لمجرد التساؤل حول المكتوب، لمجرد التشكك حول قيمته. تتحول كتب التراث الدينية إلى «معصوميات» مكتوبة، لا يجوز التشكك حولها، بل ويذهب الكثيرون إلى مسافات بعيدة وبجهود جهيدة لتبرير المكتوب وتغطيته و»طمطمة» لا منطقيته حتى يحتفظ الكتاب بقداسته والكاتب بعصمته.
أعتقد أن هذا يتأتى من النظرة الأحادية للحق، فإذا اعتقد الإنسان أن عقيدته هي الحق، وهي الحق المطلق الذي لا يقبل جدال، ولا يفسح المجال لحق آخر بجانبه، عندها يصبح كل ما يمت لهذه العقيدة بصلة مقدسا معصوما. يختلط الحابل بالنابل، ويتحول البشر العاديون بفعل ممارستهم «لسياسة العقيدة» وبفعل مرور الزمن الطويل عليهم إلى جزء لا يتجزأ من هذه العقيدة، إلى قطعة من مقدساتها، مَن نقدهم، من ساءلهم، فقد نقد العقيدة وساءلها.
وهكذا تقرأ «صامتاً» في صحيح البخاري ومسلم مثلاً في التراث السني، وتقرأ في تحرير الوسيلة أو منهاج الصالحين في التراث الشيعي ما لا يمكن هضمه، ما لا يتواءم والمنطق الحديث ومبادئ حقوق الإنسان المعاصرة، ما يربض على روحك مثل إرث قاتم طويل، لا تستطيع مساءلته ولا تستطيع نفضه. يحمل المسلمون، ولربما أصحاب معظم الديانات الأخرى، إرثهم الثقيل هذا طوال الوقت على أكتافهم، لا هم قادرون على نفضه، لا هم مستطيعون تبريره، ولا هم متمكنون من رفضه، حالة من السجن الفكري المؤلم التي تجعل الإنسان في حالة دفاع مستمرة تجاه الآخرين وفي حالة صراع نفسي مؤلم تجاه نفسه.
متى اتخذ هؤلاء المشايخ صفة المعصومية، ولم لا يمكن نقد بل ورفض أرائهم وتحليلاتهم وفتاواهم؟ في رأيي يبدأ الأمر بقوة سياسية أو اجتماعية تعطي هذا الإنسان فرصة للهيمنة، وتضيف على آرائه سلطة وسطوة، وينتهي الأمر بمرور زمن طويل، وللزمن فعل السحر، فتتحول هذه السلطة إلى حق ديني لا يقبل النقاش وتلك السطوة إلى قداسة تغلف الرجل وآراءه. يمر الوقت وتتعاظم السيرة، يتناقل الناس مكارم هذا الإنسان، أفضاله، يعظمون تدينه، يضفون المعجزات على تفاصيل حياته، حتى يصل إلينا هو وكتبه وقد تغلف بغلاف من السوليفان المذهب القوي، لا يمكن فضه، لا يمكن رده، كل ما هو ممكن الجلوس أمامه، التأمل في «جماله»، والتعبد لبريقه، أما محاولة سبر الغور أو البحث بالنقد أو التحليل، فتلك تدخلك في طريق الكفر وتخرجك من طريق السوليفان، فتقف وحدك، أنت وعقلك الذي يتحول ساعتها إلى نقمتك.
كل أديان العالم تمارس الجبروت ذاته هذا، ولها رموز تكتسب العصمة ذاتها تلك، ولكن الكثير من الأديان بدأت تنفض القداسة واضعة أفكارها وفلسفتها تحت المجهر، بعد أن فهم «كبارها» أن صغار اليوم ما عادوا يحنون الرأس للرمز ولا للزمن، الرأس اليوم لا ينحني سوى للدليل والعقل والمنطق. أما في محيطنا الديني فالجهر معصية، التساؤل شك، ومساءلة «الرموز» كفر. بين شبابنا من يعاني الصراع صامتاً، من يرفض ساكتاً، من يبحث سراً، من يتأمل أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه أن يعلن، أن يسأل ويتشكك دون أن يكون رأسه الثمن، لكن هؤلاء ونحن نعلم أن السؤال يجب أن يبقى تحت الطاولة، وأن الشك يجب أن يغلف بحجاب كثيف من الاحترام المصطنع، وأن النقد يجب أن تسبقه ديباجات تبجيل وتقديس، وأن البحث له ألف خط أحمر، وأن التغيير أمامه مليون خط أسود، عبورها هو محاول انتحار.
ناهض حتر دفع الثمن أمام قصر العدل في الأردن، حاول العبور فمات عند أول خط أسود من خطوط التغيير. ويبقى السؤال: الصمت أم الموت؟ ألا يتشابهان؟

قد يعجبك ايضا