جرش.. أكثر من مهرجان فني
اختتم مهرجان جرش، يوم السبت الماضي، دورته الثلاثين، بعد أن قدم لأيام الصورة الحقيقية للأردن؛ بلدا آمنا مستقرا ومتنوعا، يحترم الثقافة والفن بأشكالهما المتعددة.
لكن يبقى السؤال المطروح على كل من طالب بإلغاء “جرش”، بزعم أنه مرتع للفسوق والانحلال الخُلقي: ما الضرر الذي أوقعه المهرجان الذي اجتهدت إدارته لإخراجه بأحسن شكل ومضمون ممكنين؟
بتوجيه هذا السؤال بشكل صريح ومباشر لأحد أعضاء حركة الإخوان المسلمين، والتي كانت أصدرت بيانا يدين المهرجان ويطالب بإلغائه، جاءت الإجابة خجولة، مرتبطة برفض إدارة “جرش” إشراك فرق إنشاد إسلامية في الفعاليات، الأمر الذي يدلل -من وجهة نظر الحركة- على أن للمهرجان لونا واحدا، يرفض الآخر وفنه وثقافته.
لكن، وكما يؤكد مدير المهرجان الزميل محمد أبو سماقة -الذي قدم جهدا كبيرا لإنجاح الدورة الحالية وتسهيل الإجراءات- فقد كانت ثمة نشاطات تتعلق بالألوان الفنية التي يفضلها المتدينون، منها مشاركة الجمعية الهاشمية لإنشاد التراث، التي حضر حفلها نحو 5000 شخص. كما شاركت الفنانة الموريتانية، وعضو مجلس النواب في بلادها، معلومة بنت الميدان، وهي الفنانة المشهورة بحجابها كما أدائها للأناشيد الإسلامية برفقة آلة موسيقية معروفة من عصر الرسول.
الأمر الآخر، وبحسب أبو سماقة أيضا، هو أن من بين زوار المهرجان سيدات محجبات ملتزمات، قدرت نسبتهن بحوالي 25 إلى 30 % من رواد المهرجان على المسرح الجنوبي، فيما كان نحو نصف الحضور من النساء بشكل عام محجبات.
الفكرة الجوهرية هنا هي أنه لا تناقض بين مشاركة فرق إسلامية وحضور محجبات للمهرجان من جهة، وبين وجود فعاليات أخرى، من جهة أخرى. فالمهم هو المشاركة، مع تقديم فكرة أخرى على درجة كبيرة من الأهمية، تتمثل في أن الجميع شركاء؛ يحتملون بعضهم، مهما اختلفت أذواقهم.
والمنطق يفترض أن يخرج هذا الصوت العاقل من بين المتدينين؛ فيرفض ويدين وسم المهرجان بصفة غير موجودة فيه أبدا. والتأكيد على أن الاختلاف في المجتمع ضرورة، تتحقق منافعها بالتعايش، وعدم رفض الآخر وفرض إيقاع بعينه عليه.
الغريب أن تصدر مزايدة وتصريحات مسيئة لمهرجان جرش، وأنشطة مماثلة، عن شخصيات معروفة، بعضها محسوب على الدولة، وذلك فقط من باب ركوب الموجة، والبحث عن شعبية وهمية، وتسجيل مواقف تضر بالنهاية في ميزة التعايش التي امتلكها الأردن على امتداد تاريخه.
اليوم، لدينا أكثر من مهرجان؛ فهناك مهرجان موسيقى البلد الذي اختتم فعالياته أمس بعد أن قدم موسيقى راقية، تعبر عن المجتمع وتغيراته. وهناك أيضا مهرجان الفحيص، ومهرجان شبيب. هذا بالإضافة إلى فعاليات ثقافية، منها أيام الفيلم المغربي. وهذه في مجموعها دلالة صحة وعافية مجتمعية، وليس أي شيء آخر.
من جديد، لا بد من التأكيد على أن معركة محاربة التطرف تبدأ من تقبل الآخر والانفتاح عليه، ومن مختلف الأطراف؛ فليس رفض ذلك مقصورا على الإسلاميين، إذ بيننا أيضا من يريد إقصاءهم، ولتسود في الحالتين ثقافة رفض الآخر.
كما أن عنوان صحة المجتمعات هو التركيز على الثقافة والفنون. وأرجو هنا عدم الرد بتسخيف الفن والحطّ من قدره باستحضار أمثلة من “الفن” الهابط، يرفضها أصلاً الباحثون عن الرقي في الموسيقى والغناء والمسرح وسواها من مجالات الإبداع الفني.
لا ترتقي الشعوب ولا تتطور من دون هذه العناصر. وما من عدو يخيف التطرف والكراهية سوى الانفتاح وقبول الآخر واحترام ذوقه. فلنحافظ على تنوعنا الفريد، حتى لا نغرق في أحادية تصيبنا جميعا في مقتل.