ترامب.. أفضل صديق وعدو لبوتين

شبكة وهج نيوز : حاز دونالد ترامب على لقب قوزاق الفخري في بيتزبيرج. فستجد مارجريتا سيمونيان، محررة جريدة “روسيا اليوم”، تجوب أرجاء موسكو بسيارتها المُزينه بالعلم الأميركي، بينما ستجد الفاشي ألكساندر دوجن الروسي، يدعو إلى تخلي روسيا عن رفضها الدائم للتعاون مع أميركا، وتغيير سياساتها تجاه أميركا، بعد فوز ترامب.
وشجعت روسيا ترامب طوال العملية الانتخابية، فكان من الطبيعي أن تحتفل بانتصاره، لكن لا يعني ذلك أننا وصلنا إلى مرحلة إعادة العلاقات الأميركية – الروسية الطيبة، وعودة الحياة ما بينهما، فبوتين لا يرى ترامب كصديق، إنما يعتبره العدو المثالي لروسيا، فترامب سيساعده على تعبئة مؤيديه، وإخماد المعارضه المحلية.
عدو في هيئة كرتونية ساخرة
بالطبع، ستبدو في بداية الأمر، العلاقة بين بوتين وترامب، كأنها علاقة صداقة حميمية، فلن يكون بوتين الشخص الذي اعتدنا عليه، إن لم يحاول الإيقاع بترامب، ليقدم العديد من التنازلات فيما يخص أوكرانيا وسورية، في مقابل تقديم شيء لأميركا، مثل تسليم “إدوارد سنودن”، دون أن يشعر بوتين بأي تأنيب ضمير تجاهه، لأنه يرى أن “إدوارد سنودن” خائن، بعدما خان روسيا التي آوته، عندما انتقد أمام العالم كله، سياسة روسيا ومراقبتها للانترنت.
لكن في النهاية، يخفي الكريملن العديد من التدابير لترامب، فالعقلية التي تحكم النظام السياسي في روسيا، هي العقلية التي تؤمن بمبدأ القلعة المحاصرة: وهو أمر طبيعي بالنسبة لشعب لم يعرف سوى المآسي، وتعرض للقتل الجماعي طوال القرن الماضي.
وللحفاظ على مثل هذه الرهبة الدولية تجاه روسيا، من المهم أن يكون لروسيا عدو قوي، يهدد مصالحها، ليمثل هيئة القوة الأجنبية القاهرة، فيلقي الشعب الروسي اللوم عليها، عند كل مصيبة وحادث موجع، أو حياة غير سعيدة.
بعيدًا عن نبرة السخرية العنيفة، لا بد أن يبدو العدو في مظهر كرتوني مناسب، وقادرًا على خدمة الدعاية الروسية، بزلّاته السخيفة ومغامراته العجيبة.. كان جورج بوش مثالاً يُحتذى به، بينما من ناحية أخرى كانت فترة رئاسة باراك أوباما تمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لروسيا، بسبب ذكائه ومن يعمل معهم، المدركين لأساليب التعامل الصحيحة مع روسيا، فكان من الصعب أن تكره أوباما.
أما ترامب، فيمثل نموذجًا مناسبًا لسياسة روسيا، أكثر من بوش نفسه، فترامب شخصية وقحة وجريئة وعنيفة، لكن تجده غير ملم بالعديد من القضايا، متناقضًا، ومخادعًا، تمامًا مثل القلة الحاكمة للولايات المتحدة. وكشخص عاش في الجمهورية الاشتراكية الروسية، أجد أن ترامب هو توأم مماثل لشخصية ” الإعصار—الوزير السابق” المصورة في شعر سوفيتي للأطفال، كتبه الشاعر “سامويل مارشاك”، ساخرًا من رأسمالية أميركا في العام 1930، فهي قصيدة ما زال يتذكرها ملايين الروسيين، ويحفظونها ظهرًا عن قلب. فترامب ما هو إلا كاريكاتير متحرك، يمثل أميركا، ويُعَد هدية مميزة للدعاية الروسية، فترامب هدية لم يكن ليحلم بها الكريملن.
لا يجب أن ينخدع أحد بالتقارب الأيدولوجي بين ترامب وبوتين، حتى إن كانا كلاها عاملا مهما في إزاحة الانقسام بين اليمين واليسار في القرن ال 20، ويتشاركون في العديد من الدوائر الاجتماعية.
فوجئنا بالتشابهات التي يتشارك فيها الغريمان، فمؤيدو كل من الرئيسين، يتمثلون في الطبقة المنسية، الضائعة وسط العولمة والليبرالية العالمية، وكل من وجد صعوبة في التأقلم مع الحياة الجديدة الغريبة، وفشلوا في التنافس مع من ينتمون إليها، وتلائمهم مثل هذه الحياة، وبتأيدهم سواء لترامب أو بوتين، ما هي إلا محاولة للإبطاء من سرعة تقدم العالم، للحاق بركبها، مع من ينافسونهم من نجحوا في جمع الأموال من لا شيء.
يثير مصطلح “الأغلبية الصامتة”، وهو مصطلح عادة ما يستخدمه مؤيدو ترامب، وذكرى مصطلح ” الأغلبية الخاضعة المطيعة”، المستخدم في العام 1990، واصفًا الروس الرافضين لتغييرات المحلية، ما مهّد الطريق لظهور بوتين.
العلاقة التكافلية بين بوتين وترامب
مشاركة هاتين الشخصيتين السياسيتين، نفس نوعية الناخبين، لا يعني بالضرورة، أنهما لن يكرها بعضهما البعض، بالعكس، من المتوقع أن يتبادلا شعورًا متبادلًا من الكره، في إطار علاقة سياسية سعيدة.
انخراط أوكرانيا في قوميتها، التي آل عليها الزمان، والرعب من روسيا، لن يُمحى باستبدال الوجود الروسي بروسيا أخرى، فلن يكون هناك مكان أفضل للناطقين باللغة الروسية ليعيشوا فيه، عوضًا عن روسيا نفسها.. ومن ناحية أخرى، يعد نجاح أوكرانيا وحريتها، خطرًا على نظام بوتين، لذلك قررت روسيا شن حرب على أوكرانيا في العام 2014.
مميزات ترامب لا تتوقف عند روسيا وبوتين فقط، إنما تخلق صراع داخلي بين المؤيدين بخروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، فترامب يصرف انتباه الغرب والعالم عمّا تفعله روسيا، بينما يقدم الكريملن صورة أخرى لروسيا، تتمثل في الاستقرار، لمشاهدي الإعلام في منازلهم. ولم يكتف بذلك فقط، وإنما يساعد ترامب في تقويض المؤسسات الغربية، سواء من الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، فأصبحت لدى روسيا مساحة من الحرية، تسمح لها التصرف بحرية في المناطق المجاورة لها.
وأخيرًا، لن يتكبد ملياردير مثل ترامب، رَفَضَ الكشف عن إقراره الضريبي، عناء السعي خلف أملاك الغرب، من ذوي المليارديرات المماثلين له في الكريملين, لذلك ستنخفض احتمالية تغيير النظام الروسي.
بالنسبة لبوتين وحاشيته، لا يعد ترامب اختيارًا باهظ الثمن أو مرحلة تجريبية، إنما اختيار سليم تم بسبب أسلوب تفكير مماثل، لمن قرروا التصويت لترامب من الشعب الأميركي.. هو قرار يعيد العالم إلى أوقات الحرب الباردة، بمرور سنوات عديدة من التنافس على التسليح والحرب من أجل الآخرين، المصاحبة لاجتماعات القمم المتكلفة والاتفاقيات النووية، فهو قرار سيجعل روسيا تشعر بالعظمة مرة أخرى.-(التقرير)

قد يعجبك ايضا