الصحف الإسرائيلية 3-12-2016

إبنة الشهيد علي طه كان عمرها سبع سنوات عندما قتل والدها الذي شارك في اختطاف طائرة “سابينا” تروي قصتها من خلال مسرحية تم عرضها في حيفا

بقلم: سمدار بيري
إبنة الشهيد تبدأ بقصة محاولة الاغتصاب: “في ليلة ما عندما انضممت الى زيارة عمل لياسر عرفات في اوروبا، سمعت طرقا قويا على الباب في غرفتي في الفندق. وبسبب الوقت المتأخر أصبت بالخوف ولم أتحرك، لكن من كان يطرق على الباب لم يتنازل. وعندما فتحت شاهدت أحد مساعدي أبو عمار المقربين، أزعر وضخم. دخل الى الغرفة وفتح بسرعة سحاب بنطاله. فعرفت ماذا يريد وبدأت أصرخ بشكل هستيري. هذا الأزعر الحقير خاف من الصراخ، فهرب. وفي حينه كنت في جيل 24 سنة، وقد ارتجفت من الخوف والغضب وقلت بيني وبين نفسي إن هذا الحقير يعرف أنني إبنة شهيد، وهو يعرف أنه ليس هناك رجل يدافع عن شرفي ويقوم بضربه بالشكل الذي يستحقه”.
في يوم الجمعة مساء، في مسرح الميدان في حيفا، ستصعد رائدة على المسرح لعرض المسرحية التي تتحدث عن دراما حياتها. “حتى الآن اعتدتم على رؤية الشهيد الأيقونة، علقتم في الصالون صور البطل الكبيرة. لا أحد يفكر ما الذي يحدث للعائلة وما الذي يزعج الأرملة وما الذي يؤلم الاولاد. ماذا يعني أن تكوني إبنة شهيد. أنا أبحث عنه منذ عشرات السنين كي أوجه له سؤال: قل لي يا أبي الحبيب، هل كانت فلسطين أهم مني بالنسبة لك؟ وعندما ذهبت لاختطاف الطائرة، ألم تفكر فيمن سيبقون في الخلف بدونك؟”.
امرأة جميلة عمرها 51 سنة، تلبس فستان أزرق في كل عرض، لأن الازرق يعني الكشف عن الاسرار العميقة، وفي رقبتها سلسلة فيها صورة أبيها. على المسرح المكشوف كنبة من ثلاثة مقاعد فقط. ورائدة تضحك وتبكي، ترقص وتغني، وتتجرأ على تقليد عرفات. وأخواتها الثلاثة وعمتها الأمية التي نجحت في الحصول على جثة شقيقها علي ودفنها، الذي هو والد رائدة. “بعد سنتين من وجود جثته في ثلاجة الاسرائيليين”.
ليس صدفة أن اسرائيل قد صممت على احتجاز جثة علي طه، الذي كان عمره 33 سنة، متزوج وأب لأربع بنات، والذي عمل كمرشد سياحي في القدس، وعمل ايضا سرا في الاردن حيث تعلم هناك تركيب العبوات وتنظيم خلايا الارهاب. في أيار 1972، بعد اربع سنوات من مشاركته في اختطاف طائرة إل عال الى الجزائر، أرسله “الأمير الاحمر” حسن سلامة، لاختطاف طائرة سابينا التي كانت في طريقها من بلجيكا الى اسرائيل، واجراء المفاوضات لتحرير الرهائن مقابل تحرير أسرى فلسطينيين.
عملية الانقاذ بقيادة اهود باراك ألقيت على مقاتلي وحدة الاركان، ومن بينهم بنيامين نتنياهو وداني يتوم. ثلاثة مسافرين أصيبوا، من بينهم مريام اندرسون، التي توفيت فيما بعد نتيجة الاصابة. وقائد الاختطاف علي طه وشريكه الاطرش قتلا في تبادل اطلاق النار. الخاطفتان تريز هلسة وريما عيسى تم اعتقالهما وحكم عليهما سنوات سجن طويلة، وتم اطلاق سراحهن في صفقة جبريل في العام 1985.
مثلما يُفترض أن تكون الأرملة
تستكمل رائدة على المسرح قصة محاولة الاغتصاب، وكيف أنها لم تتنازل للأزعر الحقير. “في صباح اليوم التالي ذهبت الى عرفات، ولاحظ على الفور بأنني أعاني من الضغط. وقلت له إنني أريد أن أقول لك شيئا هاما. وعندما سمع القصة استشاط غضبا وقال لي لا تقلقي، لدي طرق عقابية خاصة لمعاقبة هؤلاء الحقيرين. هذا الشخص سيلاقي ما يستحقه بالضبط مثلما يستطيع ياسر عرفات أن يعاقب. وحتى الآن لا أعرف ماذا كان مصيره، كما قالت رائدة. لكن منذ حديثي مع عرفات لم أر ذلك الشخص.
إن اختطاف الطائرة وقتل والدها أثر على حياة الارملة فتحية وبناتها الاربعة. “كنت البنت الاكبر وعمري 7 سنوات، أختي سهير 6 سنوات، أختي ميس 4 سنوات ولينا الصغيرة 8 أشهر. وأنا أذكر كيف أن عدد من النساء هاجمن أمي التي كان عمرها 27 سنة، وأزلن بالقوة المناكير عن أظافرها وأحمر الشفاه وقمن بالباسها الملابس السوداء. ونحن البنات قاموا بارسالنا الى عند الجيران. منذ أن أبلغوها أن أبي قد قتل والى الآن هي تقوم مثل الجندية المجهولة للتضحية من اجلنا. وقد اعتصمت في غرفة ولم تكن تستطيع فعل أي شيء لاسابيع طويلة.
“نحن البنات لم يقولوا لنا ماذا حدث. وعندما سألت أين أبي تملصوا من الاجابة. في مخيم برج البراجنة في لبنان تم اجراء جنازة رمزية لتابوتين فارغين، وأمي فقدت وعيها. ولم أفهم لماذا هذا العدد الكبير من الغرباء الذين يدخلون ويخرجون من بيتنا. في اليوم التالي قمت باختطاف صحيفة من أيدي حارس المخيم ورأيت فيها صورة كبيرة لأبي وقمت بقراءة العنوان الرئيس. أسرعت الى مدير المدرسة التي درست فيها وسألته: قل لي ماذا تعني كلمة شهيد. فلاطف رأس وبدأ بالبكاء”.
إن إسم مسرحيتها “ألاقي مثلك فين يا علي؟” يعود لأغنية مشهورة للمطربة اللبنانية صباح. وقد كتبت رائدة المسرحية خلال سنتين بعد دراستها المسرح. ولكنها صعدت على المسرح فقط بعد وفاة الاشخاص الثلاثة الاكثر قربا وتأثيرا في حياتها – عرفات وزوجها وصديقها الشاعر محمود درويش. وقد خرجت الى جولة عروض في بيروت وتونس وعمان والكويت واثينا وواشنطن وخمس مدن في الضفة الغربية. وقد تم خطف التذاكر وامتلأت القاعات والجمهور رد بالدموع والتصفيق والصدمة. المحطة الاخيرة في الوقت الحالي (عشية المسرحية اقترحوا على رائدة أن تقوم بعرضها في الناصرة واماكن اخرى في البلاد)، قررت رائدة أن تكون في حيفا.
“أنا مسرورة كوني هنا بينكم”، قالت، “لدي زاوية دافئة وخاصة تجاه حيفا”. ومن بين الجالسين صديق العائلة، المحامي علي رافع، الذي سمى إبنته نضال على الاسم الحركي لعلي طه. رافع كان محامي عبلة، العمة. التي قبل الحادثة بأشهر تم القاء القبض عليها في جسر اللنبي حيث كانت تحاول نقل حقائب فيها متفجرات. المخربة كانت حامل في الشهر الثاني، وقد حكم عليها اربع سنوات سجن. ونجح رافع في اقناع المحكمة العسكرية في تخفيف حكمها. واسرائيل قررت عدم التورط مع مخربة حامل، فقامت بطردها الى الاردن.
رائدة تتذكر اليوم الذي جلست فيه هي وأخواتها الثلاثة في احضان عرفات، حيث قال إنه سيقوم بتبني بنات الشهيد. “سألني أبو عمار ماذا ستكونين عندما تكبرين؟ فقلت له عالمة فضاء. عرفات يئس وانتقل الى أختي فقالت لا أعرف. وعندها توجه الى الثالثة ميس التي بدأت بالبكاء وقالت أريد أبي، أنا أفتقده جدا”.
تقوم رائدة بتحطيم الاساطير التي ارتبطت بصورة الشهيد ومحيطه القريب. فهي تتحدث عن “الاعمام السيئين” الذين جلسوا ليلة وراء الاخرى عند أمها في الصالون وشربوا الخمور وتحدثوا عن “الثورة المسلحة”. “لكن ما أرادوه بالفعل هو اختلاس النظر الى صدر أمي وقضاء الليلة مع أرملة الشهيد”.
“من تلك الفترة أذكر رائحة العرق والسجائر. أمي قامت بطردهم، لكنهم عادوا للجلوس في الصالون، فطردتهم مجددا. وعندما قاموا بأخذها الى “أم أسامة” الجميلة كي تتعلم كيفية تصرف الأرملة: بتواضع، أن تبقى في البيت، أن تخفض نظرها وأن تكون ملابسها باللون الغامق وأن لا تضع الماكياج. ونحن انتقلنا من جنازة الى جنازة للشهداء الذين ازداد عددهم. أمي كانت تدخل الى غرفة النساء المعزيات، تلطم حسب العادة. كانت تبكي على شهيدها والمشكلات التي نزلت علينا”.
حسب رأي رائدة، والدها لم يعتقد أن العملية ستنتهي بقتله. “كل ما عرفته عنه طوال السنين، ومن البحث الذي أجريته قبل كتابة السيناريو، عرفت أن أبي لم يكن يرغب في الانتحار ولم يخطط للموت. لقد كان شابا مملوءا بحس الدعابة ويحب الحياة ويحبنا بجنون. صحيح أنه قد ترك وصية، لكنه كتب ايضا رسالة حب لأمي ووعدها بأنهما سيلتقيان قريبا”.
الى جانب الرئيس
في بيروت حظين بنات علي طه الاربعة بمكانة تثير الحسد. “كنا مجموعة مغلقة من ابناء الشهداء، أقيمت من اجلنا بيوت خاصة، وكان عدد الطلاب يزداد كلما ازدادت العمليات. وكنا نسافر كثيرا لتمثيل م.ت.ف في الخارج. وقام عرفات بتدليلنا دون حساب واشترى لنا الملابس والهدايا والالعاب. وكانت صديقتي سمسم تقول لي طوال الوقت: أنا ايضا اريد السفر معك ورؤية العالم والسرور”.
“وها قد جاء دورها. ألبسوني وأخذوني الى جنازة اخرى. في وسط الصالون رأيت صديقتي سمسم التي قالت لي وهي مسرورة: سأكون أخيرا معكم وسنسافر في الطائرة. بعد أن أصبح والدها وشقيقها شهداء. نظرت اليها نظرة طويلة وقلت: لقد تحقق حلمك مرتين”.
رائدة تمنح لحظات طويلة في المسرحية لجهود العمة سهيلة من اجل دفن شقيقها. “عندما سمعت أن هنري كيسنجر وصل الى القدس، لبست أفضل ما عندها وذهبت الى القنصلية الامريكية. وكانت في يدها رسالتين، باللغة العربية والانجليزية، توسلت خلالها لاطلاق سراح شقيقها. فكروا في ذلك، امرأة بسيطة، أمية، تنجح في الوصول الى وزير الخارجية الامريكية التي لا تعرف حتى أن تذكر إسمه بشكل صحيح. لقد صممت ونجحت”. ولكن بسبب معارضة اسرائيل تم دفن علي طه في الخليل وليس في القدس. “فقط بعد ثلاث سنوات حصلنا على تصاريح لزيارة قبره”.
رائدة درست الاعلام في الولايات المتحدة، وعادت الى لبنان وانضمت الى عرفات في تونس. وهي تقول عن السنوات الثمانية التي كانت فيها قريبة منه كمستشارة اعلامية: “لقد كان ذلك عالم كامل. وهو كان معلما سخيا وذكيا. ولكن عندما كان يغضب كان غضبه عادلا”. في العام 1994 بعد اتفاقات اوسلو عادت الى رام الله، أحبت رجل الاعمال سهيل جدعون وأرسلته لطلب يدها من أبو عمار. “قبل أن نتزوج قلت له إننا لن ننجب أولاد بسبب الصدمة التي تعرضت لها. وقلت لسهيل إنني لا استطيع العيش مع فكرة أن أولادي سيفقدون والدهم مثلي. وتجاوب سهيل معي. وقبل سبع سنوات توفي بمرض السرطان”.
والدتها فتحية شاهدت المسرحية في بيروت. “ضحكت وبكت وقالت لي: أنا أعيش مع هذه القصة منذ اربعين سنة. وتذكرت كيف أنهم حذروها من الزواج بطبيب يعمل بكد ويكسب القليل، أو الزواج من فدائي. واضافت أمي قائلة: بعد ما حدث، قلت يا ليت زوجي كان بائع فجل في السوق كي لا يتركني وحيدة مع بناتي الاربعة”.
يديعوت

قد يعجبك ايضا