أطباء وطلاب طب ينتحرون لماذا !!
..بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي ……….
(بين العلم والألم من اروقة مستشفى الجامعة الأردنية )
لم يعد الألمُ حكرًا على الفقراء ولا نصيبًا من نصيب المحرومين، بل صار يسكنُ القلوبَ حيث لا نتوقع، ويستوطنُ النفوسَ التي نظنُّها أصلبَ من أن تنكسر، وأغنى من أن تفتقر، وأعلمَ من أن تضلَّ طريقها. وها نحن اليوم نقفُ أمام مشهدٍ يثير في النفس دهشةً ممزوجةً بالحزن: أطباءٌ وطلابُ طبٍّ، أولئك الذين نراهم رسلَ الحياة وحماةَ الأجساد، يُقبلون على الموت بأيديهم، كأنما ضاقت بهم الدنيا بما رحبت.
أيكونُ ذلك من شدّة ما علموا، أم من ثقل ما حملوا؟ أم لعلّهم رأوا من آلام الناس ما أورث قلوبهم جراحًا لا تُرى، فصاروا كمن يغرقُ في بحرٍ من الأحزان، لا يُسمعُ له استغاثة، ولا يُدركُ له سبب؟
إن طالبَ الطبّ، يا صديقي، لا يعيشُ حياةً كسائر الناس؛ فهو منذ أن يخطو أولى خطواته في هذا الطريق، يُدعى إلى صبرٍ طويل، وسهرٍ ثقيل، ومنافسةٍ لا تعرفُ الرحمة. تُثقله الكتبُ، وتُرهقه الامتحانات، ثم إذا جاوز ذلك كلَّه، أقبلت عليه الحياة العملية بما فيها من مسؤوليةٍ تُزلزل الجبال: أرواحٌ بين يديه، وقراراتٌ قد تُحيي أو تُميت، وساعاتُ عملٍ لا تنتهي، وضغوطٌ لا تُحتمل.
غير أنّ المصيبةَ الأعظم ليست في هذا كلّه، بل في ذلك الصمت الذي يلفُّهم؛ فهم يُدرَّبون على معالجة آلام الآخرين، ولا يجدون من يُعلِّمهم كيف يداوون جراحهم الخفية. يُطلب منهم أن يكونوا أقوياء دائمًا، ثابتين دائمًا، ناجحين دائمًا، حتى إذا انكسر أحدهم، لم يجد لنفسه موضعًا يعترف فيه بضعفه، ولا يدًا تمتدُّ إليه بالعون.
فإذا تكررت الحوادث، لم تعد مصادفةً عابرة، ولا حادثةً فردية، بل صارت نداءً خفيًا يطالبنا بأن نصغي، وأن نبحث، وأن نفهم. إن في تكرار هذه المآسي رسالةً واضحة: أن هناك خللًا لا يُرى، ونظامًا يحتاج إلى مراجعة، وبيئةً قد تكون أقسى مما ينبغي.
ولا يكفي – يا صاحبي – أن نشدّد الأبواب، أو نُحكم النوافذ، أو نزيد الكاميرات؛ فهذه كلها حراسةٌ للجدران، لا للإنسان. إن الحراسة الحقيقية هي أن نفتح أبواب الرحمة، وأن نُقيم جسورًا من الدعم النفسي، وأن نُعلِّم أبناءنا – قبل أن نُعلِّمهم كيف يُنقذون الآخرين – كيف يُنقذون أنفسهم من اليأس.
فالعلمُ، مهما بلغ، لا يُغني عن الطمأنينة، والنجاحُ، مهما عظم، لا يُعوّض عن السلام الداخلي. وما أشدَّ حاجتنا اليوم إلى أن نرى الطبيب إنسانًا قبل أن نراه طبيبًا، قلبًا يخفق قبل أن يكون عقلًا يفكّر.
فلعلّ في الإصغاء بداية النجاة، وفي الفهم أول الطريق، وفي الرحمة دواءً لا يُدرَّس في الكتب، ولكنه يحيي ما مات في النفوس.
الكاتب من الأردن