فادي السمردلي يكتب: نحن بانتظار الزلزال
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لسنا بحاجة إلى زلزال يهدم البيوت، بل إلى زلزال يهدم الأكاذيب زلزال يضرب الوجوه قبل الجدران، ويقتلع الأقنعة التي التصقت بالبشر حتى صارت ملامحهم الحقيقية مجهولة فنحن نعيش في زمن امتلئ بالمساحيق، مساحيق الوطنية، ومساحيق الأخلاق، ومساحيق البطولة، حتى صار التزييف فناً يومياً يمارسه الجميع بلا خجل لذلك نحن بحاجة إلى رجّة عنيفة، لا تُسقط المدن، بل تُسقط التمثيل الرديء الذي يُدار فوق خشبة الحياة.
نحن بحاجة إلى زلزال يكشف الإنسان حين يتعرّى من صورته التي صنعها لنفسه فهناك من يتحدث عن العدل بينما يده غارقة في الظلم حتى المرفقين فيرفع شعارات النزاهة، لكنه لا يرى الناس إلا درجات على سلّم مصالحه فيصرخ باسم الفقراء من فوق موائد مترفة، ويتغنّى بالضمير بينما يبيع كل شيء حين تقترب الصفقة المناسبة فهؤلاء لا يخافون النقد، لأنهم تعلّموا كيف يختبئون خلف الكلمات، لكنهم يخافون الحقيقة حين تقف عارية بلا زينة، لأن الحقيقة وحدها قادرة على إحراق الأقنعة.
ونحن بحاجة إلى زلزال يمرّ على وجوه بعض السياسيين، أولئك الذين حوّلوا الشعوب إلى جمهور ينتظر الخطب بينما تُسرق أعمار الناس في الخلفية سياسيون يجيدون صناعة العدو الوهمي كي ينسى الناس العدو الحقيقي الجالس على الكرسي فيلوّحون بالكرامة وهم أول من يبيعها عند أول ممرّ ضيق ويتحدثون عن الوطن كأنه ملكية خاصة، وعن الجماهير كأنها قطيع يجب أن يصفّق لا أن يفكّر فهؤلاء بنوا أمجادهم على خوف الناس، لا على احترامهم، ولذلك يرتعبون من أي زلزال فكري يجعل المواطن يرى الأشياء كما هي لا كما يريدون لها أن تبدو.
نحن بحاجة إلى زلزال يكشف مدّعي البطولة، أولئك الذين يعيشون على تاريخ غيرهم ، رجلٌ لم يصنع في حياته موقفاً واحداً، لكنه يتكئ على بطولات أبيه أو عشيرته أو حزبه القديم، كأن المجد يُورَّث مثل العقارات فيطلب الاحترام لا لأنه يستحقه، بل لأنه يحمل اسماً قديماً أو صورةً باهتة من الماضي والأسوأ من ذلك، أولئك الذين صنعوا لأنفسهم تاريخاً مزوراً، وأضافوا إلى سيرتهم بطولات لم تحدث، ومواقف لم يعيشوها، ثم وقفوا يطالبون الناس بالتصفيق فهؤلاء لا يصنعون وطناً، بل يصنعون مسرحية طويلة ينهار ديكورها عند أول اختبار حقيقي.
نحن بحاجة إلى زلزال يضرب ثقافة التقديس الأعمى لأن الكارثة ليست فقط في الكاذب، بل في الجمهور الذي يريد أن يُخدع فالبعض لا يبحث عن الحقيقة، بل عن شخص يريحهم من عناء التفكير ويريدون بطلاً خارقاً، حتى لو كان مزيفاً، لأن مواجهة الواقع أصعب من عبادة الوهم لذلك تتكاثر الأصنام البشرية في المجتمعات المرهقة، ويصبح التصفيق بديلاً عن الوعي، والانتماء الأعمى بديلاً عن العقل.
ونحن بحاجة إلى زلزال أخلاقي أيضاً، زلزال يعيد تعريف الشرف بعيداً عن الشعارات، ويعيد تعريف الرجولة بعيداً عن الصوت المرتفع، ويعيد تعريف الوطنية بعيداً عن المتاجرة بالأعلام لأن الأوطان لا يحميها أصحاب الخطب الطويلة، بل أصحاب الضمائر النظيفة ولا يبنيها من يتقنون البكاء أمام الكاميرات، بل من يعملون بصمت حين تنطفئ الأضواء.
الحقيقة أن المجتمعات لا تموت بسبب الفقر وحده، بل بسبب التزييف المستمر فحين يصبح الكذب مهارة اجتماعية، والنفاق نوعاً من الذكاء، والتلون وسيلة للنجاة، تبدأ الأرواح بالتعفن ببطء. عندها يصبح الزلزال ضرورة، لا كارثة، ضرورة لإعادة ترتيب المعنى، وفرز البشر، وكشف المعادن الحقيقية التي كانت مختبئة تحت ركام الادعاءات.
نحن بحاجة إلى زلزال لا يقتل الناس، بل يوقظهم ،زلزال يجعل الإنسان يرى الوجوه بلا مكياج، والأسماء بلا ألقاب، والشعارات بلا مؤثرات صوتية,
زلزال يعيد الاحترام لمن يستحقه، ويسحب الهالة ممن عاشوا سنوات داخل الضوء المزيف.
فبعض الوجوه لا يكشفها الزمن وحده…
بل تحتاج إلى هزةٍ عنيفة تسقط عنها كل شيء دفعةً واحدة.
الكاتب من الأردن