ترامب فوق القانون؟ حين تتحول “الأخلاقيات الخاصة” إلى وصفة للفوضى العالمية
محي الدين غنيم …..
في تصريح صادم يعكس جوهر العقلية الإمبراطورية الأمريكية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن “أخلاقياته الخاصة” هي الحدّ الوحيد الذي يمكن أن يقيّد صلاحياته العالمية، مؤكداً أنه لا “يحتاج إلى القانون الدولي” في قراراته. هذا الكلام لا يمكن المرور عليه كزلة لسان أو رأي شخصي، بل هو إعلان خطير ينسف أسس النظام الدولي ويكشف استخفافاً فاضحاً بكل القوانين والمواثيق التي تنظّم العلاقات بين الدول.
أولاً، القانون الدولي ليس خياراً شخصياً
القانون الدولي لم يُنشأ ليكون خاضعاً لأمزجة الرؤساء أو “أخلاقياتهم الخاصة”، بل هو نتاج تجارب إنسانية مريرة، وحروب مدمرة، وملايين الضحايا. هو الحد الأدنى الذي يمنع تحوّل العالم إلى غابة يحكمها الأقوى. حين يقول رئيس دولة عظمى إنه لا يحتاج إلى هذا القانون، فهو عملياً يشرعن الفوضى، ويمنح كل دولة قوية الحق بأن تفعل الشيء ذاته.
ثانياً، من يعرّف الأخلاق؟
حديث ترامب عن “أخلاقياته الخاصة” يطرح سؤالاً بديهياً: من يحدد هذه الأخلاقيات؟ وهل يمكن اختزال أخلاق العالم في عقل شخص واحد؟ التاريخ الأمريكي نفسه يقدّم إجابة دامغة؛ من فيتنام إلى العراق، ومن أفغانستان إلى غزة، كانت “الأخلاقيات الأمريكية” تُترجم دائماً إلى دماء، واحتلال وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان ثم إفلات كامل من العقاب.
ثالثاً، ازدواجية فاضحة ومعايير انتقائية
الأكثر خطورة هو اعتراف ترامب بأن إدارته “قد تحتاج” للالتزام بالقانون الدولي، لكن “حسب تعريفه” لهذا القانون. هذا منطق العصابات لا منطق الدول: قانون نلتزم به حين يخدم مصالحنا، وندوسه بأقدامنا حين يقيّد عدواننا. بهذه العقلية تصبح محاسبة أي مجرم دولي مستحيلة، طالما يحتمي بقوة السلاح والنفوذ.
رابعاً، تهديد مباشر للسلم العالمي
تصريحات كهذه لا تمسّ فقط صورة الولايات المتحدة بل تهدد الاستقرار العالمي برمته. عندما يشعر حلفاء واشنطن وخصومها أن القانون الدولي بلا قيمة في نظر صانع القرار الأمريكي فإن سباق التسلح والحروب الوقائية والتدخلات العسكرية ستصبح القاعدة لا الاستثناء.
إن ما قاله ترامب ليس مجرد رأي بل إقرار صريح بالاستعلاء على القانون وإهانة لكل شعوب العالم التي ما زالت تؤمن بأن العدالة الدولية رغم ضعفها، أفضل من شريعة القوة. الأخلاق الحقيقية لا تكون فردية ولا انتقائية بل تُقاس باحترام القوانين، وحماية المدنيين، والالتزام بالمواثيق الدولية. أما “أخلاقيات ترامب الخاصة”، فهي كما أثبت الواقع طريق مختصر إلى الفوضى، لا إلى السلام.
الكاتب من الأردن