غزة تذبح مرتين… مرة بالقنابل وأخرى بصمت العالم
محي الدين غنيم …..
في غزة، لم تعد المأساة حدثا عابرًا ولا أزمة مؤقتة، بل صارت قدرًا يوميًا يُفرض على أكثر من مليوني إنسان تُركوا وحيدين في مواجهة حرب إبادة شاملة. من لم تقتله آلة القتل الصهيونية بالقصف والتدمير، يطارده الموت جوعا وبردا ومرضًا، في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة، ومع كل منخفض جوي تتحول الخيام الممزقة إلى قبور مؤجلة والبرد إلى سلاح إضافي يُستكمل به العدوان.
غزة اليوم لا تموت فقط تحت الركام، بل تموت تحت الحصار، وتحت التجويع المتعمد وتحت سياسة الإذلال الجماعي. أطفالها يرتجفون من البرد، ونساؤها يبحثن عن كسرة خبز، وشيوخها يواجهون الموت بلا دواء ولا مأوى. ومع ذلك، يقف العالم متفرجًا، كأن ما يحدث مشهد عابر لا يستحق التوقف، أو رقمًا في نشرات الأخبار سرعان ما يُنسى.
الغطرسة الإسرائيلية بلغت ذروتها، فهي لا تكتفي بالقصف والقتل، بل تمنع الغذاء والدواء والمأوى، وتستخدم الجوع كسلاح، والبرد كأداة قتل بطيئة، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والإنسانية. أما الأنكى من العدوان ذاته، فهو العجز العربي والإسلامي والصمت العالمي المقيت، الذي لم ينجح أو لم يُرِد أن يضع حدًا لهذه الجريمة المفتوحة.
أين الضمير الإنساني؟ أين دعاة حقوق الإنسان؟ أين المجتمع الدولي الذي لا يتحدث إلا بلغة البيانات الباردة؟ كيف يُترك شعب كامل يواجه الإبادة والجوع والبرد، بينما تُشلّ الإرادة السياسية، وتغلّ المصالح، وتُدفن الحقيقة تحت ركام التبريرات؟
غزة اليوم ليست مجرد قضية سياسية، بل اختبار أخلاقي للإنسانية جمعاء. والصمت أمام ما يجري ليس حيادًا، بل شراكة في الجريمة. والتاريخ لن يرحم من رأى المأساة وسمع أنين الأطفال واختار أن يدير ظهره.
غزة تنادي… فهل من مجيب؟ أم أن العالم قرر أن يدفن إنسانيته تحت أنقاضها؟
الكاتب من الأردن