درع طهران: تحطُّمُ أوهام الفوضى واستراتيجيةُ الردع الشامل
نبيل الجمل …..
في قراءة استراتيجية للمشهد الإيراني الراهن، يتضح أن الجمهورية الإسلامية قد تجاوزت واحدة من أخطر مراحل الاستهداف الأمني والسياسي التي خططت لها دوائر المخابرات “الصهيو-أمريكية”، والتي هدفت بشكل مباشر إلى تصدير الفوضى وزعزعة الاستقرار الداخلي عبر استغلال الحراك الاحتجاجي وتحويله إلى أداة لتقويض بنية الدولة. إلا أن قدرة الأجهزة الإيرانية على احتواء هذه الموجة وإخماد فتيل الفتنة تدريجياً، لم يمثل مجرد نجاح أمني داخلي، بل شكل صدمة استراتيجية للمشروع الغربي الذي كان يراهن على “تآكل الداخل” كتمهيد لأي عدوان عسكري محتمل. هذا الفشل الاستخباراتي وضع المحور المعادي أمام حقيقة صلبة؛ وهي أن الجبهة الداخلية الإيرانية، رغم الضغوط المعيشية والحصار، لا تزال تشكل عمقاً استراتيجياً صلباً يلتف حول خيارات الدولة السيادية.
ومع انتقال الصراع من غرف المخابرات إلى لغة التهديد العسكري المباشر، برزت نبرة إيرانية رسمية تتسم بالثقة العالية والجاهزية التامة، تعكس تحولاً نوعياً في موازين القوى. فتصريحات المتحدث باسم وزارة الدفاع، العميد رضا طلائينيك، حول زيادة القدرات الصاروخية كمّاً ونوعاً مقارنة بجولات الصراع السابقة، ليست مجرد خطاب تعبوي، بل هي إعلان عن اكتمال بناء “منظومة الردع الشامل”. إن تأكيده على أن السلاح الإيراني أصبح أكثر فاعلية وذكاءً يرسل رسالة واضحة بأن أي مغامرة عسكرية ضد طهران لن تكون نزهة، بل ستواجه بتقنيات عسكرية محلية الصنع استطاعت تجاوز أنظمة الدفاع الجوي الأكثر تطوراً في المنطقة، مما يجعل العمق الصهيوني والمصالح الأمريكية تحت رحمة دقة الصواريخ الإيرانية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، تعيد طهران صياغة قواعد الاشتباك بشكل حازم؛ فالتصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين بكون جميع القواعد الأمريكية في المنطقة “أهدافاً مشروعة” في حال وقوع أي اعتداء، تضع واشنطن أمام معضلة كبرى. إن إيران لا تهدد فقط بالدفاع عن حدودها، بل تتوعد بإحراق كامل المصالح الحيوية للقوى المعتدية في الإقليم. هذا الربط بين أي هجوم على إيران وبين “الحرب الشاملة” يعني أن طهران لن تقبل بضربات محدودة أو “أيام قتالية” مسيطر عليها، بل ستتعامل مع أي خرق لسيادتها كإعلان حرب وجودية تستخدم فيها كل ثقلها العسكري وحلفائها في محور المقاومة، وهو ما يرفع تكلفة العدوان إلى حد لا يمكن للكيان الصهيوني أو الإدارة الأمريكية تحمله.
وفي البعد العقائدي والعسكري الميداني، تأتي تصريحات قائد القوات البرية، العميد علي جهانشاهي، لتؤكد أن الروح القتالية للجيش الإيراني بلغت ذروتها تحت شعار “الدفاع عن إيران حتى الموت”. هذه الإرادة القتالية، المدعومة بجاهزية تقنية وعسكرية عالية، توضح أن إيران لم تكتفِ ببناء ترسانة صاروخية فحسب، بل حصنت جغرافيتها بجيش يمتلك وعياً سياسياً وعقيدة راسخة في مواجهة مشاريع الاستئصال. إن المشهد اليوم يظهر إيران كقوة إقليمية كبرى استطاعت تحويل الحصار إلى فرصة للتصنيع العسكري، وتحويل المؤامرات الداخلية إلى وسيلة لتمتين الجبهة الوطنية، لتقف اليوم في وجه التهديدات “الصهيو-أمريكية” ليس فقط بوضعية المدافع، بل كقوة قادرة على توجيه ضربات استراتيجية تغير وجه المنطقة إذا ما أُرتكبت حماقة العدوان ضدها.
الكاتب من اليمن