الأردن بين ضغوط المرحلة وفرص التحول كيف يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة استراتيجية؟

بقلم العقيد المتقاعد ليث المجالي  …..

 

في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تُقاس قوة الدول بحجم مواردها فحسب، بل بقدرتها على قراءة اللحظة السياسية والتاريخية وتحويل المخاطر إلى فرص.
والأردن اليوم يقف في قلب لحظة إقليمية معقدة؛ منطقة تعيش على وقع الحروب المفتوحة، والتغيرات الجيوسياسية، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
فالحرب في غزة، والتوترات في الإقليم، والتحولات في موازين القوى الدولية، جميعها عوامل تجعل من الأردن دولة تقف في عين العاصفة السياسية والأمنية والاقتصادية.

الأردن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي.فإما أن يستمر في إدارة الأزمات المتكررة،
وإما أن ينتقل إلى مرحلة التحول الاستراتيجي الحقيقي.
والتحول لا يبدأ بالموارد، بل يبدأ بالإرادة السياسية والرؤية الوطنية المشتركة. أن المرحلة الحالية تتطلب ما هو أبعد من إدارة الأزمة؛
السؤال الأهم اليوم ليس: كيف يتجاوز الأردن الأزمة؟
بل: كيف يحول الأزمة إلى فرصة تاريخية لتعزيز قوته واستقراره؟

أولاً: مراجعة اقتصادية استراتيجية شاملة
الأزمة الاقتصادية في الأردن لم تعد أزمة عابرة، بل أصبحت حالة بنيوية مستمرة ترتبط بطبيعة الاقتصاد نفسه.
ولذلك فإن أي معالجة حقيقية يجب أن تبدأ بـ مراجعة استراتيجية عميقة تقوم على عدة مسارات:
إعادة تعريف دور الدولة الاقتصادي
بحيث تتحول الدولة من إدارة النشاط الاقتصادي إلى تمكين الاقتصاد الوطني والإنتاج الحقيقي.
الانتقال من اقتصاد الخدمات إلى اقتصاد الإنتاج
عبر دعم قطاعات الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، بما يقلل الاعتماد على القروض والمساعدات.
إعادة تقييم سياسات الخصخصة السابقة
للتأكد من أنها خدمت الاقتصاد الوطني فعلاً، وليس مجرد معالجة مؤقتة للأزمات المالية.
تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد المؤسسي
لأن الثقة العامة هي أساس أي إصلاح اقتصادي حقيقي.
إن الاقتصاد الأردني يحتاج اليوم إلى رؤية وطنية اقتصادية طويلة المدى، لا مجرد سياسات مالية قصيرة الأجل.

ثانياً: تعزيز الجبهة الداخلية
في عالم مضطرب، تبقى الجبهة الداخلية هي خط الدفاع الأول عن الدولة.
وهذا يتطلب العمل على ثلاثة مستويات رئيسية:
تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع عبر سياسات واضحة وعدالة في الفرص.
توسيع المشاركة السياسية بما يعزز الاستقرار السياسي.
تحسين مستوى الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

ثالثاً: سياسة خارجية مرنة ومتوازنة
الأردن تاريخياً نجح في اتباع سياسة التوازن الدبلوماسي بين القوى الدولية والإقليمية.
وفي المرحلة القادمة، يصبح من الضروري:
الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية.
تعزيز الشراكات الاقتصادية الإقليمية.
الاستفادة من موقع الأردن الجغرافي كمركز لوجستي وتجاري في المنطقة.
فالأردن يمتلك موقعاً جغرافياً وسياسياً يجعله قادراً على أن يكون جسراً إقليمياً للاستقرار والتعاون الاقتصادي.

رابعاً: الاستثمار في الإنسان الأردني
أكبر مورد يملكه الأردن ليس النفط ولا الغاز، بل الإنسان الأردني نفسه.
ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في:
التعليم النوعي التدريب المهني
الابتكار والتكنولوجيا دعم ريادة الاعمال

خامساً: تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص
رغم المخاطر الكبيرة في الإقليم، إلا أن هناك فرصاً حقيقية يمكن للأردن الاستفادة منها، مثل:
أن يصبح مركزاً للإغاثة والخدمات الإنسانية في المنطقة.
أن يلعب دوراً في إعادة إعمار الدول المتضررة من الحروب مستقبلاً.
تطوير دوره كمركز لوجستي وتجاري إقليمي.
فالتحولات الكبرى غالباً ما تخلق فرصاً جديدة للدول التي تستعد لها مبكراً.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا