الشرق الأوسط على صفيح ساخن
محي الدين غنيم …..
الشرق الأوسط اليوم يقف على حافة انفجارٍ كبير في ظل تصاعد التهديدات الأمريكية العلنية بضرب إيران والسعي لإسقاط نظامها وكأن المنطقة لم تكتفِ بعد بعقودٍ من الحروب والدمار والفوضى. لغة التهديد لم تعد خافية والتحركات العسكرية لم تعد رسائل سياسية فقط، بل مقدمات خطيرة قد تشعل الإقليم بأكمله.
من وجهة نظري، الحديث عن إسقاط النظام الإيراني ليس سوى وهمٍ سياسي وتقديرٍ خاطئ للواقع. إيران ليست دولة طارئة أو نظاماً هشاً يمكن إسقاطه بعملية عسكرية أو ضغط اقتصادي، بل هي دولة ذات جذور تاريخية عميقة وجغرافيا معقدة وديمغرافيا واسعة تجعل من فكرة إخضاعها أو كسرها مغامرة انتحارية لكل من يفكر بها.
الجغرافيا الإيرانية وحدها تشكل حصناً طبيعياً من الجبال الوعرة إلى الامتداد الجغرافي الواسع، ما يجعل أي تدخل عسكري مباشر مكلفاً وباهظ الثمن. أما ديمغرافياً، فإن إيران تمتلك كتلة بشرية كبيرة قادرة على الاستنزاف الطويل وهو درس لم تستوعبه القوى الكبرى رغم تجاربها المريرة في المنطقة.
يُضاف إلى ذلك الالتفاف الشعبي حول القيادة في أوقات التهديد الخارجي، فالتاريخ أثبت أن الشعوب مهما اختلفت داخليا تتوحد عندما تشعر أن سيادتها مستهدفة. الضغوط والعقوبات لم تُسقط النظام الإيراني، بل ساهمت في تعزيز خطاب الصمود والمواجهة، وزيادة الاعتماد على الذات.
وعسكرياً، لم تعد إيران تلك الدولة التي يمكن تحييدها بسهولة. قدراتها الصاروخية المتطورة وانتشارها الإقليمي، وخبرتها في الحروب غير التقليدية، تجعل أي مواجهة معها مفتوحة على كل السيناريوهات، وأقلها اتساع رقعة النار لتشمل الإقليم بأسره، من الخليج إلى بلاد الشام، وربما إلى ما هو أبعد.
إن أخطر ما في هذه التهديدات ليس فقط استهداف إيران، بل ما قد يترتب عليها من انهيار ما تبقى من استقرار هش في الشرق الأوسط. الحرب على إيران لن تكون حرباً محدودة، بل زلزالاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً سيدفع ثمنه الجميع، دون استثناء.
الشرق الأوسط فعلاً على صفيح ساخن، وأي شرارة غير محسوبة قد تشعل حريقاً لا يمكن السيطرة عليه. والحكمة اليوم ليست في استعراض القوة، بل في إدراك أن منطق الإملاءات وإسقاط الأنظمة بالقوة أثبت فشله، وأن اللعب بالنار في هذه المنطقة لن يحرق طرفاً واحداً، بل سيحرق الجميع.
الكاتب من الأردن