الإعمار مقابل السلاح

نبيل الجمل  …..

 

في قراءةٍ للمشهد الفلسطيني ، تبرز ملامح ما يُسمى “المرحلة الثانية” من الاتفاق الجاري تداوله، لتكشف عن فجوةٍ أخلاقية وقانونية هائلة تضع المجتمع الدولي في قفص الاتهام. إن الطروحات التي تخرج من أروقة “دافوس” والتحركات التي يقودها “كوشنير” لعقد مؤتمر مانحين في واشنطن، ليست في جوهرها خططاً إنسانية لإعادة الإعمار، بقدر ما هي “مقايضة وجودية” تهدف إلى ابتزاز الجوعى والمنكوبين في غزة. إن الربط الشرطي بين “الإعمار الكامل” و”النزع الكامل للسلاح” يمثل قمة الغطرسة السياسية، حيث يتم التعامل مع حق الشعب الفلسطيني في المقاومة وكأنه بضعة عتاد يمكن التخلي عنه مقابل سقف خرساني، في تجاهل تام لأبسط مبادئ القانون الدولي التي تمنح الشعوب تحت الاحتلال الحق المشروع في الدفاع عن نفسها بكافة الوسائل.

إن الحديث عن “نزع السلاح بأيدٍ فلسطينية ورقابة عربية ودولية” هو التفاف خبيث على إرادة الصمود، ومحاولة لزرع بذور الفتنة الداخلية تحت ستار “التنظيم الأمني”. فكيف يُطلب من شعبٍ يواجه آلة حرب لا ترحم، ونقضاً تاريخياً لكل العهود والمواثيق من قبل الكيان الصهيوني، أن يسلم أوراقه القوية وقائمته التسليحية لجهات دولية أو إقليمية؟ إن تسليم السلاح الثقيل فوراً، وتحويل الخفيف منه لخدمة أجندات “اللجنة الوطنية” المقترحة، هو في الحقيقة نزع لروح القضية الفلسطينية قبل أن يكون نزعاً لبارودها. فالتاريخ القريب والبعيد أثبت أن الكيان الصهيوني لا يحترم الاتفاقات إلا حينما يكون الطرف المقابل قوياً، وحين تيقن أن الخصم بلا أنياب، استباح الدم والأرض دون رادع.

إن هذه المخرجات التي يتم التحضير لها في ظل إدارة “ترامب” العائدة بروح “صفقة القرن” بنسختها المعدلة، تمثل شهادة وفاة رسمية للقانون الدولي. إن “العفو” المقترح عن عناصر المقاومة، والانسحاب المشروط لجيش الاحتلال، ما هي إلا قيود جديدة تُصاغ بذهب الإعمار الزائف. فالعدالة الدولية التي تقف متفرجة على شرط “الإعمار مقابل السلاح” هي شريكة في الظلم؛ إذ كيف يمكن مساواة الضحية المحاصرة بالجلاد المدجج بأحدث أدوات القتل؟ إن إدراك المقاومة والشعب الفلسطيني بأن السلاح هو الضمانة الوحيدة للبقاء، يجعل من تنفيذ هذه الشروط أمراً مستحيلاً، فالتضحيات التي قُدمت لم تكن من أجل تحسين شروط الحصار، بل من أجل كسر القيد واستعادة السيادة.

والخلاصة، فإن ما يُطرح اليوم من “خطط إعمار” مشروطة بنزع السلاح هو تجسيد لسياسة الهيمنة التي يقودها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وهو ظلم عالمي صارخ يُمارس ضد غزة التي دُمّرت بأحدث القذائف ثم يُطلب منها أن تشكر قاتلها وتنزع سلاحها لكي تُبنى جدرانها من جديد. إن تنفيذ هذه المرحلة من الاتفاق تحت وطأة التجويع والترهيب هو اغتيال للمستقبل الفلسطيني، وتأكيد على أن المجتمع الدولي قد استسلم تماماً لمنطق القوة على حساب قوة المنطق والحق، مما يترك الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة مصيره، متمسكاً بسلاحه كخيارٍ وحيد وأخير للكرامة والوجود.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا