أبجديات العمل الوطني الفلسطيني بين التماشي والتلاشي

بقلم: د. تيسير فتوح حجه. …..

الأمين العام لحركة عدالة
منذ انطلاقة المشروع الوطني الفلسطيني، كان العمل الوطني فعلاً تحرريًا أخلاقيًا قبل أن يكون برنامجًا سياسيًا، وكان مرتبطًا عضوياً بحقوق الناس وكرامتهم وحلمهم بالحرية. غير أن هذا العمل، مع مرور الزمن، بدأ يتأرجح بين التماشي مع الواقع المفروض، والتلاشي عن جوهره وأبجدياته الأولى، حتى بات السؤال مشروعًا: هل ما زلنا نمارس عملاً وطنيًا أم ندير أزمة وطن؟
إن أبجديات العمل الوطني تبدأ أولاً من الإنسان الفلسطيني؛ من حقه في العيش بكرامة، وفي العدالة الاجتماعية، وفي لقمة خبزه، وأمنه الصحي، ومستقبله. فأي مشروع وطني يتجاوز المواطن أو يستخدمه كوقودٍ للشعارات، هو مشروع مرشح للتآكل، مهما ارتفعت لغته أو كثرت منصاته.
التماشي مع الواقع قد يكون ضرورة مرحلية، لكن الخطورة تكمن حين يتحول إلى تطبيع مع الخطأ، أو قبول ضمني بالظلم، أو تبرير للفشل والعجز. هنا يبدأ التلاشي؛ تلاشي الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتلاشي الإيمان بالعمل العام، وتلاشي المعنى الحقيقي للنضال الوطني.
لقد أفرغت الفصائل، في كثير من مراحلها، العمل الوطني من مضمونه الاجتماعي، وحصرته في صراع سلطوي أو حسابات تنظيمية ضيقة، بعيدة عن هموم الناس اليومية. فصار المواطن يشعر أن الوطن يُدار باسمه لا من أجله، وأن الوطنية تُقاس بالولاء لا بالكفاءة ولا بالنزاهة.
إن حركة عدالة ترى أن استعادة أبجديات العمل الوطني تبدأ من:
إعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية كركيزة للنضال الوطني.
الفصل بين العمل الوطني والعمل الفصائلي الضيق.
بناء مؤسسات تحترم القانون وتخضع للمساءلة.
إشراك الناس لا تهميشهم، وخدمتهم لا التحكم بهم.
فالعمل الوطني ليس خطابات موسمية، ولا بيانات غضب، ولا شعارات تُرفع عند الأزمات، بل هو ممارسة يومية تُقاس بمدى حماية المواطن من الفقر، والقهر، والفساد، والاحتلال معًا.
إن بقينا نتماشى بلا رؤية، سننتهي إلى التلاشي. أما إن عدنا إلى الأبجديات الأولى: الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، فحينها فقط يمكن للعمل الوطني الفلسطيني أن يستعيد روحه، ويستحق تضحيات هذا الشعب العظيم.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا