🌛*خواطر رمضانية* 🌙 الخاطرة رقم (1)

د. احمد العرامي   …..

🌛*خواطر رمضانية* 🌙
الخاطرة رقم (1)

*نشأة الصهيونية ومراحل سيطرتها على المسيحيين (1523-1917م)*
*المرحلة الأولى: تحول نظرة المسيحيين لليهود (1523-1611)*

ظل “اليهود” في نظر العالم المسيحي “ملعونين” لمدة تقارب ألف وخمسمائة عام، لأنهم في اعتقاد المسيحيين قَتَلة السيد المسيح، حيث عانى اليهود من الاضطهاد والازدراء، بناء على هذا التصوُّر الذي ترسَّخ في العقل المسيحي رغم أن هذا التصوُّر يخالف ما ذكره القرآن الكريم من حقيقة رفع المسيح قال تعالى: ” وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ”،  وهذا التصور أنتج ممارسات ظالمة، على مر القرون مدعومًا بنصوص كثيرة من الإنجيل.
حدثت في القرن السادس عشر الميلادي تحولات عميقة في المسيحية الغربية مع ما عُرف بحركة الإصلاح، وما نتج من انشقاق سياسي وعقائدي داخل المسيحية بشكل عام، والكاثوليكية بشكل خاص، ومن نتائج هذه التحولات أن أصبحت المسيحية الجديدة التي عُرفت باسم البروتستانتية ربيبة لليهودية.
فقد أصبح للتوراة أو “العهد القديم” أهمية أكبر في نظر البروتستانت من “الإنجيل” أو “العهد الجديد”، وبدأت صورة “اليهود” تتغير تبعًا لذلك في أذهان المسيحيين البروتستانت، وقد كان الانشقاق داخل الكنيسة إيدلوجيًا، وارتبط بصراعات السيادة بين الأمم الأوروبية يومها خصوصًا بين فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فقد انحازت الكنيسة الكاثوليكية إلى جانب فرنسا، مما جعل الشعبين الإنجليزي والألماني يميلان إلى اعتناق المذهب البروتستانتي الذي دعا إلى التحرر من سلطة الكنيسة الكاثوليكية المركزية.
التحوُّل في النظرة المسيحية لليهود ظهر في كتابات مؤسس الإصلاح البروتستانتي القس “مارتن لوثر” فقد ألف “لوثر” عام 1523 كتابًا عنوانه: “المسيح وُلد يهوديًا”، الذي أعيد طبعه سبع مرات في العام نفسه، وشرح فيه “لوثر” المواقف المؤيدة لليهودية، وأدان اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لليهود محتجًا بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد، وأردف: “إن الروح القدس شاءت أن تُنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، إن اليهود هم أبناء الرب، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب، التي تأكل من فتات مائدة أسيادها”.
آمن “لوثر” بأن نبوءة التوراة حول إنقاذ كل “إسرائيل” كأمة ستتحقق، وكان يلوم البابوية لتحريفها المسيحية وصدها بذلك اليهود عن اعتناقها.
دافع “لوثر” عن اليهود، واتهم الكاثوليكية باضطهادهم، وطالب بوقف هذا الاضطهاد، الذي يمارسه “لوطيّون جهلة، كلُّ ما يفعلونه هو اضطهاد اليهود”، وطالب بوقف الاضطهاد المسيحيّ “ضد اليهود، وإلحاق الإهانات بهم قائلين إنهم بحاجة لعون المسيحيّين للتخلُّص من نتنهم، وغير ذلك من السخافات”. واتهم “لوثر” الكنيسة الكاثوليكية بأنّها تعاملتْ مع اليهود “كأنهم كلاب، لا بشر”، وبأنّها مارستْ “العنف، والكذب ضد اليهود”وأن المسيحيّين، المنقادين لها” يمنعون اليهودَ من العيش والحياة بيننا وفي مجتمعاتنا”.
في المرحلة الثانية من حياته أصبح “لوثر” أكثر قساوةً، فقد أثارت حفيظته الأنباء القائلة إن اليهود كانوا يجمعون الأنصار لعقيدتهم، من خلال حركة المسيحيّين المتشددين في مورافيا، بدلًا من اعتناق المسيحية.
وفي عام 1544 ألف “لوثر” كتابه “اليهود وأكاذيبهم” وتضمن هذا الكتاب سيلًا من الشتائم والهجوم على اليهود، إذ وصفهم بأنهم خبثاء، ولصوص، وقطَّاع طرق، وديدان مقزِّزة. واستخدم “لوثر” في كتابه كل الاتهامات، التي كانت توجَّه إلى اليهود، في العصور الوسطى، مثل تهمة الدم، وتسميم الآبار، واتهمهم بأنهم يلعنون المسيحيين في معابدهم، ووصف اليهودية بأنها أصبحت شكلًا من أشكال الوثنية. كما أوصى “لوثر” بضرورة إحراق معابد اليهود، وتدمير منازلهم، وأن يجمعوا كالقطيع في الحظائر حتى يتحققوا من أنهم ليسوا أسيادًا في بلادهم، وإنما غرباء في المنفى.
وقال في الكتاب نفسه: “من الذي يحول دون اليهود وعودتهم إلى أرضهم في يهوذا؟ لا أحد. إننا سنزوِّدهم بكل ما يحتاجون لرحلتهم لا لشيء إلا للتخلص منهم. إنهم عبء ثقيل علينا، وهم بلاء وجودنا”.
في عام 1538، أصدر الملك “هنري الثامن” إعلانًا أمر فيه بتجميع الكتاب المقدس في كتاب واحد باللغة الإنجليزية، ليكون أكبر كتاب عرفته اللغة بالإنجليزية، وقد أمر بأن توضع نسخة منه في كل كنيسة في إنجلترا.
ومع ترجمة الكتاب المقدَّس إلى اللغة الإنجليزية، واتخاذه كأعلى مرجع للكنيسة الإنجليزية المستقلة، أصبح التاريخ والتقاليد والقيم العبرية جزءًا من الثقافة الإنجليزية، وأصبحت اليهودية على مدى ثلاثة قرون العامل القوي الوحيد المؤثِّر في الثقافة الإنجليزية.
أينما حلت البروتستانتية حل “الكتاب المقدَّس” محل البابا كسلطة روحية عليا. وازداد التركيز أكثر وأكثر على الأصول الفلسطينية للمسيحية للتقليل من ادعاءات روما. وحلَّت كلمة “الرب” كما هي واردة في الكتاب العبري (العهد القديم) لإبراهيم وموسى ووصايا إشعيا وإيليا ودانيال والمسيح وبولس محل الأوامر البابوية.
أصبح “العهد القديم” مصدرًا مهمًا للمعلومات التاريخية عند العامة، حيث اقتصر تاريخ فلسطين على القصص المتعلقة بالوجود اليهودي فيها دون غيرها، وأن هذا الكتاب المقدس قد تخلل حياة كل نبيل وسام في التاريخ الإنجليزي، وأصبح الملحمة القومية لبريطانيا”. وتحققت التحولات المدهشة بتحوُّل التاريخ العائلي لليهود إلى الملحمة القومية لشعب آخر.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا