ناصر أبو عون: حُلْم عودة الديموقراطيّة على أَسِنَّة سيوف البرابرة واليانكي
ناصر أبو عون
على وقع صراخ ونشاز أحبال الجيتار الكهربائي المهتزة، وأغاني الموت والدمار والكوارث العالمية والكراهية، يصرخ عُشَّاق ومجانين موسيقى الـ(بلاك ميتال)، مهاجمين الأديان. ومن تحت ركام البنايات المتساقطة، والصواريخ التي تضرب هنا وهناك، لم يُكلِّف المثقف العربي نفسه عناء (النقد الذاتي)، و”إذا كان المثقفون العرب لا يثقون في قدرة النظم السياسية العربية على التغيير من(أعلى) مع أنها في جميع الأحوال نظم عربية وطنية – وفْقَ تعبير السيد يسين – فهل يمكن أن يقبل المثقفون العرب أو المسلمون أو الشعوب العربية أو الإسلامية أن يأتي التغيير من (أعلى) عن طريق القوى العظمى ممثلةً بأمريكا أو روسيا أو دولة إقليمية كبرى؟”وهل يمكن لهذا التغيير بالقوة أن ينجح؟ خاصةً وأن النظرية الأمريكية في التغيير القسري للمجتمعات (التغيير بالقوة) تنطلق من تجاهل مطلق للقواعد العلمية للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي وسببه الاندفاع الجنوني والحماقة السياسية التي تدفعها الرغبة المحمومة في تحقيق المصالح الأمريكية والذي قد أوجزته صحيفة الإندبندت البريطانية – إبّان غزو العراق – في جملة واحدة (لا تحدثني عن أسلحة الدمار الشامل ولا تحدثني عن القاعدة ولا تحدثني عن أي شيء آخر. فقط ..أعطني البترول في أي يوم).
وعندما وقعت أحداث 11 سبتمبر كان السيد يسين يلقي الخطاب الافتتاحي لمؤتمر (حوارات الحضارات في البحر الأبيض المتوسط) فوقع في الذاكرة قصيدة الشاعر كفافيس (في انتظار البرابرة) غير أن ما حدث جاء على عكس السيناريو الذي قدمه الشاعر في قصيدته فقد جاء البرابرة فعلا وعلى غير انتظار!! جاءوا والحرَّاس في غفلة تامة وجهالة مطبقة مطمئنين إلى أن دروعهم الصاروخية كفيلة بردع أي معتد ويتساءل: وهل كان في التصور أن ينفذ – أحد أيا كان – من الأبواب المحكمة للإمبراطورية الأمريكية ؟ التي انفردت بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفيتي بالعالمفي المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.. نعم كان متصورا أن يحدث هذا والأمثلة والبراهين على ذلك كثيرة وتبين أنه بمقدار ما يصبح (عدم التكافؤ) حادا بين الأقوياء والضعفاء يصبح خطر الحرب أكبر.
وعلى قاعدة (المرارة) التي يعاني منها الأكثر ضعفا بنسب الوزن الضاغط لـ(الأكثر قوة) يبحث الضعفاء عن وسائل جديدة لإثبات وجودهم وحقوقهم هذا ما أثبته تبني (استراتيجيات متنوعة وفعالة) في مواجهة القوى الكبرى ذات التنظيم والقدرات العسكرية الكبيرة وفي الوقت نفسه (يزيد البحث عن التفوق) في المر حلة الراهنة من حدة (عدم التكافؤ) وبالتالي من المخاطر التي لا تأتي دائما من حيث ينتظرها الآخرون: (إن فن الحرب كله قائم على الخديعة) هكذا قال: (صن تسي) المنظر الاستراتيجي قبل آلاف السنين.
إنّ الخطاب السياسيّ الغربيّ تجاه مشكلات الشرق الأوسط والذي انطلق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتردد على ألسنة قادة دول التحالف مازال ساري المفعول حتى الآن، وهويعيد إنتاج (الخطاب الغربي التقليدي) الذي ساد منذ عصر التنوير والذي قام على أساسه مشروع الحداثة الغربية كله ويقوم على التفرقة بين البربرية (شعوب العالم جميعا) والمدنية (الغرب) الظافر الذي خرج منتصرا من غياهب القرون الوسطى مفتتحا عصر الثورة الصناعية ومزودا بالعلم والتكنولوجيا وبالآلة الحربية الحديثة التي سمحت له بأكبر عملية في التاريخ الحديث وخصوصافي أفريقيا و آسيا وهو نفسه الخطاب العنصري الذي ابتكر نظرية (عبء الرجل الأبيض) في المساهمة في تمدين الشعوب البربرية (نحن) الغارقة في جهالتها والسادرة في تخلفها. هذه النظرية هبطت من عليائها بعد أن وجهت إليها سهام النقد من قبل مفكرين غربيين
وقبيل اندلاع الأحداث ذكرتني مقولات السيد يسين عن الخطاب العنصري للغرب بقصيدة للشاعر والمسرحي الإنجليزي هارولد بينتر الذي خرج من المستشفى الذي يعالج فيه من السرطان ليحارب سرطان الحرب الأمريكية؛ رأى ببينتر أن الحرب التي تدق طبولها بلاده من خلف أمريكا تهدد جسد العالم العليل بداء لا شفاء منه: إنها العنصرية. وقبيل أيام من غزو العراق نشرت له صحيفة الجارديان البريطانية قصيدة عن الاندفاع الأمريكي المحموم نحو الحرب التي قال فيها: (ها هم مرة أخرى على الطريق/ جند اليانكي في استعراضهم المدرع/ ينشدون وهم يركضون عبر العالم الفسيح/ أهازيجهم في مدح إله أمريكا/ البالوعات مكتظة بالموتى/ أولئك الذين عجزوا عن اللحاق بالركب/ والآخرون الذين رفضوا أن ينشدوا/ وأولئك الذين فقدوا أصواتهم/ وأولئك الذين نسوا اللحن/ الراكبون يمسكون بأيديهم أسواطا بتّارة/ ورأسك تتدحرج فوق الرمال/ رأسك بركة دم وسط الوحل/ رأسك بقعة تلوث التراب/ عيناك مقتلعتان وأنفك لايشم/ سوى عفن الموت/ وكل الهواء الميت يزفر برائحة إله أمريكا).
ومع عودة (البرابرة واليانكي)، و(الرجل الأبيض) إلى المنطقة حدثت تغييرات دراماتيكية وكانت هذه التغييرات وسواها تتماشى مع طبيعة الأزمة وحجمها بحيث يمكن القول إن انهيار الثقة في العلاقات السياسية العربية البينية قد واكب أو نجم عنه سقوط مروع لنمط العلاقات الاقتصادية القائم على التكافل العربي – العربي وانهيار تام لأي ترتيبات عسكرية أمنية عربية وبدا أن دول الخليج العربي ما إن تخلصت من نزاعات مادية ملموسة على أرض الواقع حتى داهمتها نزاعات أخرى أكثر ضراوة فرضت عليها فرضا بتأثير المتغيرات العالمية والعولمية التي تجاذبتها باتجاه حتمية الانخراط والانصهار في متطلباتها ليصبح الاقتصاد والعسكرية الاستراتيجية مناهج وممارسات احتكارية غربية على هذه الدول أن تنصاع لشروطها دون أي نقاش كما أن عليها أن تسقط عنها أي رداء ديني أو سياسي أو أممي ومن ثم اصبح الحديث عن القومية والوحدة العربية من أحاديث الذكريات.
وبتعبير د. فتحي عفيفي فإنّ الافتراق والانفصام كان حتميا تحت ضغط الصراع الأيديولوجي فأصبحت كل دولة ترسم لنفسها سياسة مستقلة بعيدا – عن المصالح الاستراتيجية العربية العليا وارتضت أن تكون جزءا من واقع عربي متصارع متنازع يكيد بعضه بعضا ويتربص بعضه ببعض واقع يعاني العجز والهوان تتخطفه الدول الكبرى وتلمع في سمائه الدولة العبرية مهددة أمنه ومستقبله. وهكذا لم يكن نزاع التفوق الاستراتيجي بواقعه الاقتصادي والعسكري سوى تعبير صارخ عن هذا الواقع الأليم وتحليل يائس ورؤية قاتمة للمستقبل المنقوص والمعكوس في آن واحد.
ولنسج الأفكار والخيوط بعضها ببعض ننتقل من رؤية السيد يسين وفتحي عفيفي إلى إشكالية سياسية واجتماعية تطرحها الدكتورة أحلام السعدي فرهود فقد برزت مسألة (فرض الديموقراطية) على الأمة العربية ضمن أجندة السياسة الأمريكية منذ مبادرة كولن باول الشهيرة تحت عنوان (مبادرة للشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط: بناء الأمل للسنوات القادمة) حيث تزعم الولايات المتحدة أنها تسعى إلى تعزيز الديموقراطية في العالم الإسلامي والوطني العربي مع تنمية وتوطيد دور المجتمع المدني. وترى الباحثة أن الطرح الأمريكي للديموقراطية يمكن من خلال قراءة الخطاب السياسي للديموقراطية الأمريكية ذي الملامح التالية:
أولا – إن المصالح الأمريكية هي المحدد الأول للرؤية الأمريكية لنشر الديموقراطية في الوطن العربي والعالم الإسلامي.
ثانيًا – إنه قد حان الوقت لخروج الدول العربية من دائرة (الاستثناء الديموقراطي) لتلحق بركب الديموقراطيات على غرار ما حدث لدول أوربا الغربية واليابان في أعقاب الحرب العالمية.
ثالثًا – يرجع خطاب الديموقراطية إلى ما يشهده العالم العربي والإسلامي من تطرف وإرهاب وهو ما ينسحب على مناخ الاستبداد والتخلف الذي تشهده المنطقة وأن دوافع كراهية الغرب لدى هذه الشعوب يعود في المقام الأول إلى فشل تلك الدول في الاستجابة لاحتياجات شعوبها وتشكيل حكومات عصرية.
رابعًا – ينطلق الخطاب نفسه من مسلمة أساسية مفادها أن الديموقراطيات لا تتحارب وتواجه مشكلاتها وصراعاتها بالحلول السلمية.
خامسًا – إن عملية تغيير الشرق الأوسط هي عملية محورية في الخطاب الأمريكي مرت بمرحلتين سابقتين أولهما: القضاء على تنظيم القاعدة وثانيهما: إسقاط نظام صدام حسين وتأتي المرحلة الثالثة من خلال الدعوة إلى الإصلاح وتطبيق سياسات إصلاحية تمنح مزيدا من الفرص لإقامة نظم ديموقراطية في المنطقة العربية.
وترى الباحثة أن الأمة العربية بين المطرقة والسندان وتعاني من فجوات ثلاث الأولى: سياسية ناتجة عن وجود أنظمة مغلقة تكافح مؤسسات المجتمع المدني والثانية: تتمثل في ضعف الاقتصادات العربية والثالثة فجوة معرفية نتيجة لسوء حالة المؤسسة التعليمية وانتشار الأمية وتهميش دور المرأة.
ولكن ماذا بعد؟ هل يمكن قبول روشتة الإصلاح الأمريكية وارتداء زي الديموقراطية الغربية كحل أمثل لمواجهة مشكلات المجتمع العربي؟ هل يمكن أن تسود الديموقراطية عن طريق اتفاقيات تجارية وإعلامية يتم بناء قواعدها وتصميم هياكلها وتشغيلها بعض الوقت بنظام B.O.T
ما هي الشروط الواجب توافرها لتحقيق ديموقراطية الوطن العربي؟ وما علاقة هذه الشروط بالمكون الثقافي العربي وتوجهها الأيديولوجي؟ وهل تعد المنطقة العربية بيئة ملائمة لازدهار القيم الديموقراطية؟ أم أن الوقت لم يحن بعد لجني ثمار التطور.
Researcher of the Arab Center for Media Consulting, humanitarian and research
