خطط الحرب البديلة ضد إيران والسيناريو الأسوأ!
التقرير لفت إلى أن وسائل الإعلام، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير عام 2026، امتلأت في عناوين رئيسة بأحاديث عن فشل الحرب الخاطفة الأمريكية، وعدم استعداد واشنطن لخوض عملية عسكرية طويلة الأمد. غير أن التقرير يرى أن محاولات طي صفحة هذا الصراع، الذي لم يتجاوز بعد مرحلته الأولى، لا تبدو سابقة لأوانها فحسب، بل إنها لا تعدو كونها مجرد تكهنات صحفية تفتقر إلى أساس متين من المعلومات الموثقة.
تطرق كاتب التقرير إلى مفهوم “الحرب الخاطفة” بإسهاب، مشيرا إلى أنه لا وجود معايير زمنية دقيقة أو محددة يمكن الاستناد إليها للتمييز بين الحرب الخاطفة والحرب الطويلة الأمد، موضحا أن هذا المصطلح، الذي صاغته الصحافة الألمانية في ثلاثينيات القرن العشرين، كان دائما ذا طابع صحفي إعلامي أكثر من كونه مفهوما عسكريا دقيقا.
اللافت أن زعيم النازيين أدولف هتلر نفسه، الذي يعتبره البعض المنظر الأول لهذا النوع من الحروب، كان قد وصف المصطلح بأنه “سخيف”. وبناء على ذلك، يخلص التقرير إلى أن الاستنتاج بفشل استراتيجية الرئيس ترامب استنادا إلى أسبوعين فقط من القتال، يشبه إلى حد كبير الحكم على نهاية مسلسل تلفزيوني طويل من خلال مشاهدة الحلقة الأولى فقط. الكاتب يرى أن الأصوب في هذه المرحلة هو الحديث عن بداية الحملة العسكرية وتطوراتها التكتيكية، لا عن نتائجها الاستراتيجية النهائية.
بنفس المنطق التحليلي، يعتبر صاحب التقرير أن التصريحات الإعلامية التي تزعم أن البيت الأبيض يفتقر إلى “خطة بديلة” أو استراتيجية واضحة للتعامل مع تطورات الحرب هي تصريحات مشكوك في صحتها بشكل كبير، وذلك يعود إلى أن التخطيط الاستراتيجي في الولايات المتحدة، عملية معقدة وحكر على دائرة ضيقة للغاية من الأشخاص رفيعي المستوى داخل البنتاغون والإدارة الرئاسية. كما أن عملية تسريب معلومات حقيقية من داخل هذه المجموعة الحصرية، أمر شبه معدوم، نظرا للسرية التامة التي تحيط بمثل هذه القرارات المصيرية.
يشير التقرير إلى أنه عندما تستشهد وسائل الإعلام بمصادر مجهولة تزعم اطلاعها على خطط القيادة العسكرية، فإن ذلك لا يعدو كونه مجرد تكهنات أو تخمينات إعلامية. من المحتمل جدا أن يكون لدى واشنطن عشرات السيناريوهات المطروحة على طاولة البحث، بدءا من خيارات التصعيد العسكري العنيف وصولا إلى مسارات التسوية الدبلوماسية، لكن الرأي العام والمحللين على حد سواء لن يعلموا بها على وجه اليقين إلا بعد فوات الأوان، أي بعد أن تتبلور الأحداث وتكتمل التطورات الحاسمة.

الخلاصة الرئيسة التي يخرج بها هذا التقرير هي أن الوضع الراهن على الساحة الإيرانية يكتنفه غموض كثيف، ولا تتوفر حتى الآن إحصاءات موثوقة ومستقلة حول سير العمليات القتالية وحجم الخسائر البشرية والمادية.
يرى الكاتب أن الحديث عن تحول نمط العمليات العسكرية إلى حرب استنزاف، أو عن افتقار الرئيس ترامب إلى استراتيجية واضحة، لا يمكن أن يكون ممكنا أو ذا معنى إلا بعد أن تستنفد الأطراف المتنازعة قدرات خطوط المواجهة الأمامية، وتبدأ في نشر احتياطاتها الاستراتيجية الثقيلة. أما في الوقت الراهن، فلا يزال الصراع محصورا في مراحله الأولى، وأي تصريحات مبالغ فيها حول نهايته أو طبيعته المستقبلية ليست سوى ضجيج إعلامي.
على النقيض من هذا الموقف الحذر، يعتقد الخبير الاقتصادي الصربي غوران نيكوليتش أن التوقف المفاجئ للضربات العسكرية قد يكون نتيجة محتملة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار تصرفات الرئيس الأمريكي في فترة الصراع. يرى نيكوليتش أن ترامب قد يعلن بشكل أحادي عن إلحاق أضرار جسيمة وكافية بإيران، ما يسمح له باتخاذ قرار سياسي بوقف الضربات والانسحاب من المواجهة المباشرة.
أما الخيار المحتمل الآخر، فيتمثل في مواصلة الحرب، ولكن بوتيرة أقل حدة، وذلك نظرا لنفاد مخزون الذخيرة الإيراني بشكل سريع، ما سيدفع القوات الإيرانية إلى إعادة التموضع، ومن ثم ستعاود سفن النفط التجارية العبور من مضيق هرمز بشكل تدريجي. كل هذه الاحتمالات، وفقا للخبير، ستعتمد بشكل كبير على مدى تأثر الاقتصاد العالمي بهذه الحرب، وعلى مصير إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج، ومدى الأضرار الجسيمة التي قد تلحق بمنشآت النفط والغاز الحيوية.
من جانبه، طرح مركز أبحاث “كابيتال إيكونوميكس” تحليلا في السابق تضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطورات النزاع وتأثيراته على أسواق الطاقة.
افترض السيناريو الأول حدوث نزاع قصير وعنيف، يستمر لمدة أسبوعين تقريبا، ما قد يتسبب في فقدان العالم حوالي 1.4 في المئة من صادراته النفطية السنوية، وحصة مماثلة من صادرات الغاز الطبيعي المسال.
السيناريو الثاني، يفترض استمرار النزاع لمدة ثلاثة أشهر، مع إلحاق أضرار محدودة وطويلة الأمد بالمنشآت الحيوية لإمدادات الطاقة. وفي هذه الحالة، من المتوقع أن تتراوح الخسائر بين خمسة وستة في المئة من إجمالي صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال على المستوى العالمي.
أما السيناريو الثالث والأكثر كارثية، فيفترض أيضا استمرار النزاع لمدة ثلاثة أشهر، لكنه يتسبب في إلحاق ضرر طويل الأمد بالقدرة الإنتاجية الإيرانية، لا سيما في جزيرة خرج، أكبر ميناء لتصدير النفط الإيراني. في هذه الحالة، قد تتراوح الخسائر بين ثمانية وتسعة في المئة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، مع تداعيات سلبية قد تستمر حتى عام 2027 على الأقل. في ظل هذا السيناريو المتشائم، قد تقفز أسعار النفط لتصل إلى 150 دولارا للبرميل، بينما ترتفع أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي إلى 120 يورو لكل ميغاواط في الساعة.
في ختام تحليله، يحذر غوران نيكوليتش من أن استمرار الحرب ضد إيران لأكثر من ثلاثة أشهر، مع بقاء مضيق هرمز مغلقا بشكل كامل أمام حركة الملاحة البحرية، قد يؤدي إلى حدوث “صدمة” اقتصادية عالمية أكثر خطورة وتدميرا من التداعيات الكارثية التي أعقبت حرب أكتوبر عام 1973 أو الثورة الإيرانية عام 1979.
المصدر: RT